
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
بينما تركز الأضواء الإعلامية على مشاهد طائرات “سبيريت إيرلاينز” الصفراء وهي تصطف في “مقابر الطائرات” بعد إعلان إفلاسها النهائي، يلوح في الأفق سؤال أكثر إزعاجاً للمستثمرين وصناع القرار: هل نحن على أعتاب موجة إفلاس متسلسلة تبدأ من قطاع الطيران وتعبر لتصل إلى القطاع المصرفي، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط؟
هذا التحليل يستعرض الآليات التي قد تحوّل صدمة قطاعية إلى أزمة نظامية .
في الرابع من ايار 2026 ، انهارت شركة “سبيريت إيرلاينز” رسمياً. لم يكن هذا الانهيار مفاجئاً تماماً، فمنذ اب 2025 كانت الشركة تخضع لإجراءات الفصل الحادي عشر للمرة الثانية في أقل من عام، منهكة بسبب الديون وعدم تحقيق أرباح منذ 2019 .
ما يجعل قصة “سبيريت” مختلفة هذه المرة هو طريقة الانهيار، إذ أعلن المدير المالي للشركة فريد كومر في وثائق المحكمة أنه “لم يعد هناك أي مسار قابل للتطبيق لإعادة الهيكلة”، وهو ما يفسر طلب تصفية الأصول بدلاً من إنقاذها . هذا التحول من “إعادة هيكلة” إلى “تصفية” هو مؤشر خطير على أن نموذج عمل الشركات منخفضة التكلفة قد اصطدم بحاجز لا يمكن تجاوزه.
لم تكن “سبيريت” وحيدة في محنتها. فقبل أيام من انهيارها، كشفت مجموعة من شركات الطيران منخفضة التكلفة (تشمل فرونتير وأفيلو) عن مفاوضات مع إدارة النقل الأميركية لطلب حزمة دعم فيدرالية بقيمة 2.5 مليار دولار . هذا الطلب الذي يأتي على شكل أسهم قابلة للتحويل للحكومة ، يعادل المبلغ الإضافي الذي تتوقع هذه الشركات إنفاقه على وقود الطائرات خلال عام 2026 مقارنة بتوقعاتها السابقة . المفارقة المقلقة أن هذه الشركات لم تطلب قروضاً للاستثمار أو التوسع ، بل طلبت مساعدات لتغطية زيادة في تكاليف التشغيل اليومية. هذا يعكس حالة من استنزاف السيولة الأساسية، وهي المرحلة التي تسبق الإفلاس مباشرة.
السؤال الأهم: كيف يمكن للإفلاس في قطاع الطيران أن يصل إلى المصارف؟
يمكن ان يتحقق ذلك من خلال عدة أمور :
اولا” : التعرض المباشر للإقراض حيث ان البنوك الإقليمية والمتوسطة الحجم هي الأكثر تعرضاً لتمويل أساطيل الطائرات. عندما تفلس شركة مثل “سبيريت”، فإنها تتخلى عن عقود إيجار الطائرات أو تبيعها بأسعار بخسة في مزادات الإفلاس. هذا يعني خسائر فادحة للمصارف الممولة، وإعادة تقييم لأصول الديون.
ثانيا” : يشير محلل دويتشه بنك ، مايكل ليننبرغ ، إلى “تهديد وجودي” للشركات ، مضيفاً أن صناعة الطيران عانت من أضرار جسيمة عندما قفزت أسعار الوقود في عام 2005 ، مما دفع كل من دلتا إيرلاينز ونورث ويست إيرلاينز إلى تقديم طلب إفلاس . في ذلك الوقت ، كانت خسائر البنوك ناجمة عن انهيار قيمة الضمانات (الطائرات) وليس عن القروض العقارية ، وهو ما يذكرنا بالديناميكية الحالية.
ثالثا”: أكبر حالات إفلاس البنوك في التاريخ كانت بسبب أزمات الائتمان العقاري (واشنطن ميوتشوال 2008 بأصول 307 مليار دولار) ، ولكننا في 2023 شهدنا انهيار سيليكون فالي بنك وفرست ريبابليك (بأصول تجاوزت 200 مليار دولار لكل منهما) بسبب خلل في هيكل الموجودات والمطلوبات (إدارة آجال الاستحقاق) . الفرق الآن هو أن المصارف قد تكون معرضة لصدمة مزدوجة وهو انهيار قطاع الطيران (انخفاض قيمة الضمانات) ، وتوقف حركة الشحن والتجارة ، مما يزيد الضغط على الودائع والتصنيفات الائتمانية.
إن ارتفاع سعر برميل النفط ليس مجرد عامل ضغط إضافي ؛ إنه الوقود الحقيقي لهذه النار . وهذا الارتفاع له تأثيران :
تأثير مباشر : يشير تقرير لـ “بلومبرغ انتليجنس” إلى أن كل زيادة بنسبة 5% في أسعار الوقود تؤدي إلى تأثير بنسبة 5-10% على أرباح شركات مثل دلتا ويونايتد، ولكنها تؤدي إلى تأثير سلبي بنسبة 35% على أرباح “أمريكان إيرلاينز” .
التأثير غير المباشر على البنوك ومنها :
التضخم ووقف أسعار الفائدة : فاستمرار ارتفاع النفط (خاصة مع التوترات في مضيق هرمز) يبقي الضغوط التضخمية مرتفعة، مما يمنع الاحتياطي الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة. ارتفاع الفائدة لفترة أطول يعني استمرار تآكل قيمة محافظ السندات لدى البنوك (السبب الأساسي لانهيار SVB) وزيادة تكلفة الودائع.
الطلب على الائتمان: وفقاً لتحليلات أس أند بي غلوبال ، فإن استمرار الحرب يدفع “ملف الائتمان العالمي نحو نقطة تحول”، حيث يعاني المقترضون من ارتفاع التكاليف (الطاقة والغذاء)، مما يزيد الديون المعدومة .
الانتقال العابر للحدود: في أستراليا، حذر “ويستباك” (أحد أكبر البنوك) من زيادة مخصصات الديون المعدومة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، متوقعاً أن يواجه العملاء المدينون (خاصة في قطاع الطيران والخدمات) صعوبات في السداد .
هل نحن أمام “لحظة ليمان برازرز” جديدة؟
لا أعتقد أننا سنشهد انهياراً مصرفياً بحجم “واشنطن ميوتشوال ” أو “ليمان برازرز ” في الأيام المقبلة، وذلك بسبب الدروس المستفادة من 2008 و2023 (ظهور شبكة الأمان الفيدرالي بسرعة أكبر).
لكن السيناريو المرجح هو “التآكل الصامت”:
- موجات إفلاس قطاعية: المزيد من شركات الطيران المتوسطة والصغيرة ستتبع خطى “سبيريت”، خاصة تلك التي تعقد مؤتمراتها مع البنوك لمناقشة خفض الديون.
- أزمة السيولة لدى البنوك الإقليمية: البنوك التي تركز إقراضها على قطاع الطيران أو الخدمات اللوجستية (مثل بعض بنوك شيكاغو وتكساس) ستواجه شيكات سيولة، وقد نرى تدخلاً من مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية (FDIC) لإنقاذها بطريقة مشابهة لإنقاذ “ريبابليك فرست بنك” في 2024 .
- تأثير ثانوي: ارتفاع أسعار النفط إلى 125 دولاراً (كما حذرت كريستالينا غورغييفا) سيؤدي إلى ركود تضخمي، وهو السيناريو الأسوأ للمصارف، لأنه يعني ارتفاع التضخم (مما يقتل قيمة الأصول) وانخفاض النشاط الاقتصادي (مما يقتل قدرة العملاء على السداد).
في الخلاصة،
إن انهيار “سبيريت إيرلاينز” هو العلامة الاولى في حرب طويلة. الخطر الحقيقي ليس أن تتحول شركة طيران إلى مقبرة طائرات، بل أن تتحول ميزانيات البنوك إلى مقابر للقروض المعدومة. إذا استمر النفط فوق حاجز 100 دولار، فسنجد أنفسنا أمام مرحلة “اختبار تحمل” حقيقي للقطاع المصرفي، قد لا ينجح فيه الكثيرون.



