الحفاظ على الجيش لمنع التقسيم والعودة إلى لبنان الصغير (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
يحنّ بعض اللبنانيين إلى حكم المتصرّفية الذي قام تحت مظلّة الدولة العثمانية، والذي استمرّ من عام ١٨٦١ حتى عام ١٩١٨، وذلك قبل إعلان دولة لبنان الكبير بحدوده الحالية عام ١٩٢٠ من قبل الاحتلال الفرنسي، لكن هؤلاء يتناسون أنّ هذه المتصرّفية جاءت بعد حروب طاحنة بين الموارنة والدروز استمرّت لسنوات، وبعد تدخّل دولي من فرنسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا والدولة العثمانية، أي وُلدت بناءً على توافق الدول الكبرى في ذلك الوقت.
ويتمّ التغاضي عن أنّ مساحة هذه المتصرّفية لا تشكّل سوى ثلث مساحة لبنان الحالية، وأنّ الطابع الديني المسيحي لتلك المتصرّفية هو الغالب، حيث تمّ اعتبار أنّ جبل عامل، والبقاع بغربه ووسطه وشماله، كما عكّار وطرابلس، ليست جزءًا من هذه المتصرّفية.
ويروّج البعض أنّ تلك المتصرّفية عاشت فترات من السلام والهدوء والتطوّر العلمي، متناسين أنّ إنشاء هذه المتصرّفية كان في وجه الدولة العثمانية، وأنّها بُنيت على تقاسم نفوذ لتلك الدول الراعية لنشوئها. ففرنسا مثلًا أحاطت الموارنة والكاثوليك بعنايتها الخاصة، فيما بريطانيا تولّت أمور طائفة الموحّدين الدروز، واهتمّت روسيا القيصرية بطائفة الروم الأرثوذكس المسيحيين، وهكذا…، فيما احتفظت الدولة العثمانية بالسيادة الإدارية والمركزية عبر تعيين متصرّف مسيحي (غير عثماني) بموافقة الدول الكبرى، لذا فهي لم تكن دولة مستقلّة بكلّ ما للكلمة من معنى.
ويتناسى البعض أنّ هذا الكيان لم يكن صالحًا للحياة من الناحية الاقتصادية والمعيشية، فقد عانى سكّانه من الجوع والعوز، وأنّ الضرائب يومها أنهكت سكّانه، ما تسبّب في هجرة واسعة لشبابه إلى الدول الأوروبية والأمريكية. ولم يسلم من هذه الضرائب وهموم الجوع إلا الأديرة المسيحية التي أُعفيت من الضرائب، فتحكّم رهبان هذه الأديرة بمعيشة الناس، وتملّكوا أراضيهم ليتخلّصوا من دفع الضرائب الكبيرة المجحفة التي كانت تفرضها الدولة العثمانية عليهم. كما أوجدت المشاكل الاقتصادية طبقة من الأغنياء من ذوي الثراء الفاحش، وطبقة واسعة من الفقراء والمحتاجين، فنشأت الإقطاعيات التي استعبدت الناس مقابل لقمة العيش.
اليوم يُعاود البعض الدعوة إلى العودة إلى نظام حكم المتصرّفية تحت عنوان “لبنان الصغير”، بعدما فشلت حتى الآن كلّ دعوات الفيدرالية والإدارية الموسّعة. وقد طرح ممثّل القوات اللبنانية في الحكومة الحالية وزير الخارجية يوسف رجّي أثناء زيارته للفاتيكان عند مقابلته أمين سرّ الفاتيكان – بمثابة وزير الخارجية – الكاردينال بيترو بارولين فكرة العودة المحتملة إلى لبنان الصغير، إذا ضمنت هذه الصيغة للمسيحيين الاستقرار والازدهار الاقتصادي والحماية، على حسب قوله، وهذا ليس بغريب عن فكر ونهج القوات اللبنانية الانعزالي، الذي قدّم دائمًا المصلحة الشخصية، أو المصلحة الحزبية الضيّقة، على المصلحة العامة اللبنانية، بل على المصلحة المسيحية أيضًا.
لكن الغريب هو سكوت رئيس الجمهورية وهو الحامي للدستور اللبناني على كلام وزير الخارجية في حاضرة الفاتيكان، وتنصّ المادة التاسعة والأربعون من الدستور اللبناني على أنّ رئيس الجمهورية هو (رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن)، فهل يمكن اعتبار سكوته رضا بذلك؟ وأين هي وحدة الوطن من ذلك؟ والمستغرب أيضًا هو موقف رئيس الوزراء نواف سلام، فيوسف رجّي هو وزير في حكومته، فكيف يسمح له بهذا الكلام، خصوصًا أنّ فيه سلخًا لكلّ مناطق المسلمين السنّة عن دولة لبنان، فهل هو موافق على ذلك؟ وهل هو بصدد الترويج لدولة سنّية منفصلة أيضًا، أم لإلحاق هذه المناطق بدولة سوريا الكبرى؟ والإثنان مطالبان إضافة إلى ذلك بتوضيح موقفهما من فصل الجنوب والبقاع عن دولة لبنان الكبير، وما هو مشروعهما المستقبلي لهذه المناطق؟
الأشدّ غرابة هو أفعال بعض السياسيين الذين يخدمون هذا الفكر التقسيمي الانعزالي، وإن بطريقة غير مباشرة، وذلك عبر ضرب أهمّ قاسم مشترك وجامع بين اللبنانيين، وهو الجيش اللبناني، الذي وفي أصعب الظروف وأقساها بقي محافظًا على حبّ واحترام جميع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم السياسية والدينية والمذهبية، وهو بعد اتفاق الطائف أصبح الضمانة الوحيدة لوحدة هذا الوطن وسلامته.
عادةً ما يتمّ التغاضي عن تصريح أو فعل ما إذا لم يتكرّر، لكن التكرار ولو بصيغ مختلفة يُشير إلى مخطّط يتمّ تنفيذه على مراحل، وهذا ما يحصل في حقّ الجيش اللبناني قيادةً وضبّاطًا وعديدًا. فخلال الأشهر الماضية كان هناك عمل دؤوب داخلي وخارجي على ضرب مصداقية الجيش، ويأتي في طليعتها الكلام الذي قيل عن إقالة قائد الجيش وعزله، والذي بدأ في وسائل إعلام العدو الصهيوني، ثم تبنّاه الإعلام اللبناني وبعض السياسيين.
فقد تصاعد الحديث عن هذا المطلب في الأوساط الإسرائيلية، حيث نقلت القناة الثانية عشرة الصهيونية ووسائل إعلام أخرى مطالبات بإقالته بدعوى “عدم تعاونه ورفضه مواجهة حزب الله”، وتحميل الجيش مسؤولية بقاء قوة الرضوان جنوب الليطاني. وفي نفس الوقت تقريبًا صدرت تصريحات داخلية في السياق نفسه، أبرزها من النائب السابق مصباح الأحدب الذي طالب صراحةً بوجوب إقالة قائد الجيش وتدويل القضية اللبنانية. كذلك ما نقلته تقارير لقنوات محلية مثل قناة “الجديد” أنّ هناك “عدم رضا دولي” عن أداء قائد الجيش، لكنها استدركت أنّه “لم يصل إلى لبنان أي طلب رسمي لإقالة قائد الجيش رودولف هيكل، إلا أنّ هناك عدم رضا دولي عن أدائه، خصوصًا بعد الإشكالية التي أثارها بيان الجيش عقب عملية الإنزال الإسرائيلي”. ووصل الأمر بالبعض إلى اقتراح أسماء بديلة لقيادة الجيش. إنّ السعي لضرب مصداقية قائد الجيش هو محاولة لضرب عقيدة الجيش التي يُمثّلها.
من جهة ثانية، فإنّ ما قامت به القيادة السياسية بإعطاء الأوامر للجيش اللبناني بالانسحاب من قطاعات عديدة في الجنوب اللبناني، تحت حجّة الخوف عليه من العدوان الصهيوني، وعدم قدرته على التصدي، فإنّ هذا الأمر يُشكّل طعنة في ظهر عسكر الجيش اللبناني الوطني. فكيف ستكون معنوياته وهو ينسحب، ويرى جيش العدو يحتلّ أرضه، ويقتل أبناء وطنه، ويدمّر بيوته؟
إنّ ضرب العامل النفسي للجيش اللبناني يأتي في سياق توهين هذا الجيش وإضعافه. إنّ بقاء جنود الجيش اللبناني في مواقعهم حتى لو لم يتصدّوا للعدوان الصهيوني، هو موقف قوّة وعزّة لهم أمام شعبهم، وتعزيزًا لصمودهم. فكيف إذا تصدّوا بما يملكون من سلاح بسيط؟ إنّ وجودهم في مواقعهم الأمامية هو موقف بطولي وهو غطاء شرعي لمقاومة هذا الشعب بوجه الاحتلال. كما أنّ استشهاد بعض عناصره هو فخر للبنان وللجيش، وسيزيد من مستوى الالتفاف الشعبي حول الجيش وقيادته. في حين أنّ القيادة السياسية تزجّ بالجيش دومًا في مداهمات ومعارك تحت حجج القضاء على تجّار ومهرّبي المخدّرات، وهو وإن كان هذا العمل مطلوبًا، إلا أنّه ليس من مهام الجيش بل من مهام قوى الأمن الداخلي.
وفي نفس السياق، أتى الحديث في الجولة الأخيرة من المفاوضات مع العدو الصهيوني في أمريكا، حول إنشاء لواء أو وحدات عسكرية بتدريب خاص تحت إشراف أمريكي لقتال المقاومة في لبنان ونزع سلاحها. وهذا أمر خطير جدًا، فهو محاولة لتقسيم الجيش على أساس طائفي أو مناطقي، ما يؤدّي إلى إضعافه وانقسامه. فقد طرح الوفد الأميركي إنشاء “لواء خاص” أو إعداد نواة عسكرية داخل الجيش اللبناني بهدف تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب وتجريد المقاومة من سلاحها. وبالرغم من نفي السلطة اللبنانية هذا الأمر في بيروت، إلا أنّ مجرّد سكوت الوفد اللبناني عنه في المفاوضات، وعدم رفضه بشكل مباشر، يدلّ على أنّ هذا الوفد بما يمثّله قد قبِل به، مع ما يحمل ذلك من مخاطر على الجيش ووحدته.
وفي هذا الإطار تأتي محاولة التلطي خلف الجيش لإعطاء شرعية للمفاوضات مع العدو الصهيوني. فبعد فشل ضمّ أعضاء للوفد اللبناني المفاوض بعد اعتراض الرئيس نبيه بري وتحفّظ السيّد وليد جنبلاط، التفّ البعض على ذلك بتشكيل لجنة سداسية من ضبّاط الجيش اللبناني (تشكيل طائفي ومذهبي)، وضمّها إلى الوفد المفاوض، وهي محاولة مدسوسة لزجّ الجيش وإلزامه بتبنّي ما يصدر عن هذه المفاوضات، التي هي إملاءات صهيونية أمريكية لا تراعي مصلحة لبنان وعيشه المشترك، وهدفها تثبيت مصالح العدو الصهيوني وأطماعه.
وليس آخرًا، ما يسعى إليه البعض في تضمين قانون العفو عن السجناء، عفوًا عن الإرهابيين الذين قاتلوا الجيش اللبناني في مواقع عديدة، وقتلوا مجموعة من خيرة جنوده وضبّاطه، وبعضهم تمّ إعدامه بدم بارد وأمام شاشات بعض القنوات التلفزيونية العربية. إنّ العفو عن أولئك هو تضييع لدماء شهداء الجيش اللبناني، ودعوة للتطاول على الجيش وقتاله، طالما أنّ العفو سيطالهم ولو بعد حين.
إنّ ضرب الجيش اللبناني هو مشروع خطير، يسعى إليه العدو الصهيوني وبعض دعاة الانعزال في لبنان، وسيؤدّي إلى انفلات الأوضاع الأمنية، وبالتالي إلى مناطق نفوذ ميليشياوية وتقسيم فعلي على أرض الواقع.
يبقى السؤال في حال حدوث ذلك، وهو سؤال موجّه لرئيس الجمهورية جوزيف عون: عن أيّ قسم ستكون رئيسًا؟ وحتى لو نجح مشروع تقسيم الوطن والعودة إلى لبنان الصغير، فهل سيقبل الفريق الذي يدعو إلى هذا المسار بأن تكون رئيسًا عليهم؟ فهل تتدارك السلطة السياسية الأمر، وتُعيد توجيه البوصلة إلى كلّ ما يحفظ وحدة الجيش، ووحدة الوطن؟


