إقتصاددوليات

قنبلة الدين العام العدو الأكبر لأميركا (عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش- الحوارنيوز

أزمة الدين العام الاميركي وكلفة خدمة هذا الدين لم تعد أرقاماً صماء في الميزانية ، بل هي تطبيع نفسي وسياسي مع خطر داهم ، حيث غابت المخاوف التقليدية التي كانت تدفع أصحاب القرار سابقاً نحو الانضباط المالي وتوجههم اليوم نحو الربط بين هذا الواقع المالي المتأزم ، والواقع الجيوسياسي الذي يفرضه على صانع القرار في واشنطن ، وتحديداً في ملف الصراع الدبلوماسي والعسكري مع إيران.

في الأروقة الخلفية لصناعة القرار في واشنطن ، لم يعد الجنرالات وحدهم من يرسمون خطوط المواجهة ، بل بات خبراء الاقتصاد وحسابات التكلفة والمؤشرات المالية هم من يملكون الكلمة الأخيرة . فالتحول التاريخي الذي شهدته أميركا مؤخراً بتجاوز دينها العام عتبة الـ 100% من الناتج المحلي الإجمالي ، ودخوله منطقة التطبيع النفسي كأمر واقع ، لم يعد مجرد رقم إحصائي مقلق ، بل تحول إلى كبح جيوسياسي غير مسبوق يفرض نفسه على السياسة الخارجية الأميركية ، وتحديداً في رغبتها الملحة على إغلاق ملف حروبها واستنزافها المستمر مع إيران.

تاريخياً ، كانت الحروب تُموّل عبر الاقتراض ، على أمل أن يعود الاقتصاد للتعافي والنمو بعد الحرب ليأكل هذا الدين ، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية . لكن المعادلة اليوم مقلوبة تماماً ، فالولايات المتحدة تدخل أي مواجهة محتملة وهي مثقلة أساساً بدين مزمن وعجز هيكلي لا ينقطع . في ظل هذا الوضع، تصبح تكلفة أي تصعيد عسكري واسع النطاق مع قوة إقليمية مثل إيران بمثابة مغامرة انتحارية للاستقرار المالي الأميركي. إن إنهاء الصراع مع طهران ، أو السعي الدؤوب لاحتوائه دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، لم يعد خياراً دبلوماسياً نابعاً من الرغبة في السلام ، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة لتجنب نقطة الانفجار المالي .
المشكلة الحقيقية التي تؤرق أسواق المال والمخططين الاستراتيجيين هي كرة الثلج التي يتدحرج بها هذا الدين . لسنوات طويلة ، عاشت واشنطن في رغد مالي بفضل أسعار فائدة قريبة من الصفر، ما جعل خدمة الديون أمراً هيناً . أما اليوم ، ومع قفز عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل لتتجاوز عتبة الـ 5.2 % ، فإن المشهد بات مرعباً . لقد أصبحت مدفوعات الفائدة الصافية اي خدمة الدين تلتهم نصيباً من الموازنة يتجاوز ميزانية الدفاع الأميركية بأكملها ، تلك الميزانية التي سجلت طلباً قياسياً وتاريخياً لعام 2027.
هذا الارتفاع الحاد في الفوائد يعني أن الحكومة الأميركية باتت تقع في ما يسمى اقتصاديًا بفخ الدين العام ، حيث تضطر لإصدار سندات جديدة والبلاد تحت سياسة الاقتراض المستمر لمجرد سداد فوائد السندات القديمة ، دون ملامسة أصل الدين . إن كل دولار إضافي يُنفق على التجييش العسكري في الشرق الأوسط ، أو لتأمين ممرات الملاحة ضد حلفاء إيران ، يرفع تلقائياً من العجز المزمن في الموازنات القادمة ، ويزيد من الضغط على أسواق السندات ، مما يدفع أسعار الفائدة إلى مزيد من الارتفاع .
هذا الترابط الوثيق بين المالي والجيوسياسي يتضح أكثر في أثر هذه الأرقام على حياة المواطن الأميركي اليومية . فالارتفاع المستمر في عوائد السندات الحكومية ينعكس مباشرة على ارتفاع معدلات الرهن العقاري وتكلفة القروض الشخصية ، مما يخلق ضغطاً شعبياً وسياسياً غير مباشر. وبينما تبدو النخب السياسية في واشنطن وكأنها متصالحة مع العجز، ومستمرة في تمرير حزم إنفاق ضخمة متجاوزةً قواعدها التشريعية، فإن الأسواق تبدي قلقاً حقيقياً ، فالولايات المتحدة ليست كاليابان التي يدين لها مواطنوها ، بل هي تعتمد بشكل مفرط على مستثمرين وخارجيين لتمويل هذا العجز.
إن الطموحات السياسية الحالية ، سواء بالزيادات الضخمة في ميزانية الدفاع أو بمحاولات خفض الإنفاق التي لم تسفر حتى عبر لجان الكفاءة الحكومية إلا عن وفورات هامشية لا تتعدى كسوراً من النسبة المئوية المرجوة ، تصطدم بالواقع العاري وهو ان الاقتصاد الأميركي لم يعد يملك المساحة المالية المناسبة (Fiscal Space) للمناورة في حالات الطوارئ أو الحروب الكبرى.
في الختام ، يمكن القول إن الخوف من تراكم الدين المتسارع وتأثيره التدميري على عجز الموازنات المستقبلية أضحى يمثل العدو الداخلي الأكبر لصناع القرار في واشنطن . وهو ذاته الخوف الذي يدفع السياسة الخارجية الأميركية ، رغم كل التصريحات الرنانة ، نحو البحث عن مخارج دافئة لإنهاء الصراع الدائر مع إيران وتجنب الغرق في مستنقع مالي جديد ، ذلك لأن واشنطن تعي تماماً أنه إذا كانت الحرب تحتاج إلى مدافع ورجال ، فإنها قبل كل شيء تحتاج إلى ميزانية مرنة واقتصاد مستدام ، وهي أسلحة بدأت تفقدها أميركا تحت وطأة جبل الديون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى