أبناء الرايات التي لا تسقط ..(خضر ضيا)

كتب خضر ضيا – الحوارنيوز
ليس كلُّ من ماتَ غاب،
ولا كلُّ من حملَ السلاحَ كانَ عابرًا في سجلِّ الدم.
ثمَّةَ رجالٌ
إذا سقطوا، نهضتْ من أسمائهم أممٌ،
وإذا صمتتْ أصواتُهم،
أكملتِ الأرضُ عنهم الهتاف.
هم أولئكَ
الذينَ لم يجعلوا الوطنَ نشيدًا يُردَّد،
بل عهدًا يُحمَلُ في العروق،
ويُدافَعُ عنه
ولو احترقَ القلبُ بما فيه.
في زمنٍ
اختلطَ فيهِ الخائنُ بالشَّهيد،
وتزاحمتِ الأقنعةُ على وجهِ الحقيقة،
يبقى المقاومُ وحده
واضحًا كجرحٍ لا يكذب،
ثابتًا كرايةٍ
تعرفُ كيف تبقى مرفوعةً
ولو سقطَ حاملوها
*****
كلُّ من حملَ قلبَهُ على كفِّه
ومضى نحوَ العدوِّ الأوَّل
منذ أن دهمتِ الظلالُ أرضَ الزيتون،
كان فدائيًّا،
وسيظلُّ فدائيًّا
كلُّ من يقفُ اليومَ في وجهِ العاصفة،
وكلُّ من سيأتي غدًا
ليُكملَ ما لم يكتمل.
فالراياتُ لا تموت،
هي فقط تُبدِّلُ أكتافَها.
والقادةُ لا يغيبون،
بل تنجبُهم الأرضُ
كما تنجبُ السنابلُ قمحَها بعد كلِّ حريق.
أمَّا الذين سقطوا بنارِ الغزاة،
فليسوا غائبين،
بل صعدوا إلى جهةٍ لا تبلغها
فتاوى الكارهين،
ولا أصواتُ أولئك الذين باعوا ضمائرهم
ولم يعرفوا معنى الوقوفِ في وجهِ عدوٍّ
ولو لنهارٍ واحد.
لكنَّ الزمانَ تبدَّل،
واختلَّتْ كفَّةُ الحديدِ والكلمة،
وصارَ الصوتُ الثوريُّ
مجازفةً على حافةِ الجنون،
وصارتْ البلادُ أوصالًا مبعثرة،
كلُّ طريقٍ فيها
يختبئُ عند مفترقهِ حقدٌ متربِّص.
كثُرَ قطَّاعُ الطُّرق،
حتَّى بين الأرضِ والسماء،
وباتَ للدعاءِ أيضًا
من يزوِّرُ وجهتَه،
ويُحرِّفُهُ
ليصيبَ الشرفاءَ بدلَ أن يحرسهم.
لهذا،
لا بدَّ من إعادةِ رسمِ العقلِ الفدائيِّ،
لا كسيفٍ يلمعُ فقط،
بل كبوصلةٍ تعرفُ كيف تنجو
في هذا اللَّيلِ الدوليِّ الطَّويل.
لقد أتقنَ الأشرارُ
صناعةَ الأقنعة،
حتى صارَ الشهيدُ متَّهمًا،
وصارَ المقاتلُ شيطانًا
في عيونِ من رأوا الحقيقة
لكنَّهم آثروا تصديقَ الكراهية.
لا بأس.
الفدائيُّ لا يُهزم،
ما دامَ ابنَ التَّاريخِ حين يصدق،
وابنَ الجغرافيا حين تثور،
وابنَ الإيمانِ حين يلتقي القدرُ بالحقِّ.
لا بدَّ من غرفةِ ظِلٍّ جديدة،
تكتبُ شعاراتِها
بلغةِ الإنسانِ قبل الطائفة،
وبأخلاقِ العدالةِ
قبل انقساماتِ المذاهب.
فالذين تسمَّنوا على موائدِ الجوع،
لن يصنعوا مستقبلًا.
هم السوسُ في الخشب،
والجرثومةُ في الجرح،
والدَّاءُ الذي يتغذَّى
على غدرٍ ممهورٍ
بأختامِ النفطِ والغازِ والماءِ.
*****
لذلك،
لا بدَّ من إعادةِ هندسةِ هذا العقلِ
في سرٍّ عميق،
على أيدي رجالٍ
لا تُعرَفُ وجوهُهم
ولا تُحصى خطاهم.
لهم الآن مهمَّتان فقط:
أن يُقاتلوا الاحتلالَ
بدهاءِ الثعلبِ
قبلَ غضبِ الرصاص.
وأن يطاردوا
كلَّ يدٍ امتدَّتْ للمصافحةِ
فوقَ موائدِ العار،
كلَّ كأسٍ ارتفعَ نخبًا
في مدينةٍ بُنيتْ
على دمِ الأبرياء.
وإلى أن تتبدَّلَ خرائطُ العالم،
لا بدَّ من وقفةٍ
تحفظُ ما تبقّى من النبض،
فلا جيشَ سيأتي
ليفكَّ هذا الحصارَ عنّا.
أخي المقاوم…
أأنهكَكَ التعب؟
مهلًا.
لن نتركَ حصانَنا وحيدًا.
فالطَّريقُ طويل،
ونحنُ
ما خُلقنا
إلَّا لنكمله.



