إقتصاددوليات

الدولار بين التسييس والتفكك التدريجي: من هيمنة مطلقة إلى نظام نقدي متعدد الأقطاب (عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

في خضمّ التحولات الجيوسياسية المتسارعة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، لم يعد السؤال المطروح هو هل سينهار الدولار؟ بل كيف تتغير طبيعة هيمنته؟

 الواقع يشير إلى أن العالم لا يتجه نحو نهاية مفاجئة للدولار، بل نحو إعادة تشكيل تدريجية للنظام النقدي العالمي، حيث تتآكل الهيمنة المطلقة لصالح تعددية نقدية أكثر تعقيداً.

أولاً: مفارقة التراجع والثبات حيث تراجعت حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية إلى نحو 56%، وهو أدنى مستوى منذ عقود، ما يعكس توجهاً واضحاً لدى البنوك المركزية لتنويع المخاطر. غير أن هذا التراجع لا يوازيه ضعف مماثل في نفوذ الدولار، إذ لا يزال يشكل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، مع أكثر من 14 تريليون دولار من الائتمان المقوم به خارج الولايات المتحدة. هذه المفارقة تكشف حقيقة أساسية وهي الدولار يتراجع كـ”أصل احتياطي”، لكنه يبقى متماسكاً كـ”بنية تحتية” لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

ثانياً: تسييس العملة كنقطة تحول حيث شكّل تجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية نقطة انعطاف مفصلية في إدراك الدول لمخاطر الاحتفاظ باحتياطياتها ضمن النظام المالي الغربي. لم يعد الاحتياطي الأجنبي يُنظر إليه كأداة مالية محايدة، بل كأصل قد يتحول إلى أداة ضغط سياسي. هذا التطور سرّع انتقال النقاش من التنظير إلى الفعل، حيث بدأت الدول تعيد تقييم أمن احتياطياتها، وتبحث عن بدائل أو قنوات موازية تحمي سيادتها المالية.

ثالثاً: صعود الذهب كأصل سيادي محايد حيث انه في هذا السياق ، عاد الذهب ليحتل موقعاً مركزياً في استراتيجيات البنوك المركزية، متجاوزاً الأصول الدولارية في خزائنها لأول مرة منذ عقود. فالذهب لا يقدّم عائداً، لكنه يقدّم ما هو أهم في زمن الاضطراب:

أصل بلا مخاطر طرف مقابل

غير خاضع لأنظمة الدفع الدولية

لا يمكن تجميده بقرار سياسي خارجي

ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران ولبنان، يتعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن طويل الأجل، رغم أن الدولار قد يتفوق عليه مؤقتاً في لحظات الذعر السريع بسبب سيولته العالية.

رابعاً: الدولار كبنية لا غنى عنها رغم كل التحديات، حيث لا يزال الدولار يهيمن على نحو 50% من المدفوعات العالمية عبر نظام SWIFT، كما أن الدولار واليورو يشكلان معاً أكثر من 80% من الفوترة التجارية العالمية. هذا يعني أن العالم، حتى وهو يسعى للتنويع، لا يزال يعمل ضمن شبكة مالية وتجارية تتمحور حول الدولار، ما يجعل فك الارتباط الكامل عملية بطيئة ومعقدة.

خامساً: البترودولار تحت المجهر فالتوترات في مضيق هرمز أعادت طرح سؤال حساس وهو هل يمكن تسعير النفط بعملات غير الدولار؟ نظرياً، بدأت تظهر تجارب محدودة باستخدام اليوان والعملات المحلية، لكن عملياً، يظل الدولار متفوقاً بفضل عمق أسواقه المالية، وسيولته، وثقة المستثمرين به.

في المقابل، تشهد دول الخليج تحوّلاً مهماً، ليس بالخروج من النظام الدولاري، بل بإعادة توجيه فوائضها نحو الاستثمارات المحلية الكبرى بدلاً من تكديس السندات الأمريكية، ما يعيد تشكيل نموذج البترودولار دون أن ينهيه.

سادساً: صعود البدائل… ولكن بحذر فالصين من خلال نظام CIPS، توسّع تدريجياً قنوات الدفع البديلة، كما تتزايد أهمية العملات غير التقليدية مثل الدولار الكندي والوون الكوري في الاحتياطيات العالمية.

إضافة إلى ذلك، تبرز العملات الرقمية للبنوك المركزية كأداة محتملة لتقليل الاعتماد على النظام المصرفي التقليدي، خاصة في المدفوعات العابرة للحدود. لكن هذه البدائل، رغم نموها، لا تزال تفتقر إلى المقومات الأساسية التي يتمتع بها الدولار: السيولة، العمق المالي، الإطار القانوني، والثقة العالمية.

سابعاً: كلفة الدولرة على الاقتصادات النامية حيث انه بالنسبة للاقتصادات النامية، يشكّل ارتفاع كلفة الائتمان المقوم بالدولار تحدياً كبيراً، خاصة في ظل “الدولرة”. فكل ارتفاع في أسعار الفائدة الأمريكية يترجم مباشرة إلى:

زيادة في خدمة الدين الخارجي

ضغوط على العملات المحلية

تراجع القدرة على الاستيراد

تباطؤ النمو الاقتصادي

بمعنى آخر، هذه الاقتصادات لا تملك رفاهية فك الارتباط السريع، لكنها تتحمل كلفة الاعتماد المرتفع على الدولار.

ثامناً: العقوبات كمحرّك لإعادة تشكيل النظام فالعقوبات المالية الأمريكية أصبحت أحد أبرز المحركات التي تدفع الدول للبحث عن قنوات دفع موازية. لكنها ليست العامل الوحيد، إذ تتداخل معها اعتبارات تتعلق بالكلفة، والكفاءة، والسيادة المالية، والنفوذ الجيوسياسي. العقوبات لم تخلق البدائل، لكنها سرّعت تطويرها.

في الخلاصة العالم يتوجه نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب العالم ولا ينتقل من هيمنة الدولار إلى بديل واحد، بل إلى نظام أكثر تشرذما ً يتسم بالامور التالية :

الدولار يبقى في المركز كنظام تمويلي

الذهب يبرز كتحوط سيادي

البدائل النقدية والدفعية تنمو على الهامش

الخطر الحقيقي على الدولار لا يكمن في منافس مباشر، بل في الإفراط في استخدامه كأداة سياسية، ما يدفع الدول تدريجياً إلى بناء منظومات موازية ، وحتى إشعار آخر، سيبقى الدولار ليس مجرد عملة، بل بنية تحتية عالمية يصعب استبدالها… لكن هذه البنية لم تعد مريحة كما كانت، بل أصبحت محل اختبار مستمر في عالم يتجه بثبات نحو تعددية نقدية أكثر تعقيداً.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى