رأي

الفرار من الموت إلى الموت… (خضر ضيا )

 

خضر ضيا – الحوارنيوز

“مأساة عائلة أمِّ حسين فحص،صاحبة المخبز في بلدة جبشيت. فرَّت وعائلتها هربًا من القصف ولجأت إلى السكسكيَّة طلبًا للنجاة، فتعرَّضت لغارةٍ من طيران العدو أدَّت إلى استشهادها وثمانية من أفراد العائلة تحت الركام”.
———————————

خرجتْ
تحملُ بيتَها في طرفِ منديل،
وفي يدٍ أخرى
قبضةَ قمحٍ
وسُبحةً تتهجَّى أسماءَ الغائبين.

كانت تظنُّ
أنَّ الطَّريقَ، حين يطول،
يُرهقُ الموتَ أيضًا.

خلفَها
كانت “جبشيت”
تلوِّحُ من بينِ التلال
كأمٍّ تُخبِّئُ دموعَها
كي لا يخافَ الأطفال.

وأمامَها
كانت “السَّكسكيَّة”
نافذةً مفتوحةً
على احتمالِ نجاة.

ثمانيةُ ظلالٍ
دخلوا معها البيتَ الجديد
كما تدخلُ العصافيرُ
إلى غصنٍ لا تعرفُ
أنَّ الريحَ تحفظُ عنوانَه.

كانت العائلة تملأ الغرفةَ
بضحكٍ صغيرٍ
لكنَّه بدا، في مكانٍ ما،
أخطرَ من صفاراتِ الإنذار.

كان الرَّغيفُ ساخنًا،
وكانت الأمُّ
ترتِّبُ اللَّيلَ
حولَ رؤوسِهم
كأنَّها تعيدُ للعالمِ
توازنه المفقود.

لكنَّ السماءَ،
في تلك اللَّيلة،
لم تكن سماءً.

كانت عينًا معدنيَّةً
تبحثُ عن قلبٍ
لتُثبتَ براعتَها.

وحين هبطَ الحديدُ،
لم يسألْ
عن أسماءِ الضحايا،
ولا عن عددِ النبضاتِ
التي تختبئُ تحتَ السقف.

سقطَ البيتُ دفعةً واحدةً،
كأنَّ الأرضَ
أرادت أن تضمَّهم
قبل أوانِ الاحتضان.

اختلطَ الرغيفُ بالغبار،
والسُّبحةُ بالحجارة،
وصارت الضحكاتُ
أصداءً بعيدةً
تتردَّدُ تحتَ الركام
مثل صلاةٍ
لم تُكملْ آخرَ آياتِها.

أمُّ حسين
لم تصرخ.

كانت تُنصتُ
إلى الصَّمتِ
وهو يُحصي أبناءَه الجدد.

في الخارج،
كانت الكلماتُ
تغيِّرُ أسماءَ الأشياء:

الطفلُ
يُسمَّى رقمًا.

البيتُ
يُسمَّى هدفًا.

الدَّمُ
يُسمَّى أثرًا جانبيًّا.

والمجزرةُ
تُسمَّى،
بكلِّ أناقةٍ،
دفاعًا عن خوفٍ قديم.

أمَّا العالمُ،
فكان يمرُّ
بأصابعهِ النَّاعمة
فوقَ أخبارِهم،
كما يُطفئُ أحدُهم
منبِّهَ الصباح
ليعودَ إلى نومه.

وحدها
كانت “جبشيت”
تُدركُ الآن
أنَّ أبناءَها
لم ينزحوا من الموت،

بل حملوهُ معهم
من بيتٍ
إلى بيت.

وحدها الأمُّ
كانت تعرفُ
أنَّ الركامَ
ليس حجارةً فقط،

بل حضنٌ أخيرٌ
لعائلةٍ
اختارتْ أن تنامَ معًا
حين ضاقَ العالمُ
عن نجاتِها.
*****
وفي البعيد،
كانَت شاشاتٌ لامعةٌ
تمسحُ الغبارَ عن وجوهِ المدنِ الباردة،
وتُعيدُ ترتيبَ الأشلاءِ
في جُمَلٍ مهذَّبة.

لم يقولوا:
هنا ماتَ الأطفالُ.

قالوا:
تعكَّرَ الصباحُ قليلًا
فوقَ أطرافِ الجنوب.

لم يقولوا:
أُمٌّ انتُزِعَتْ من قلبِها
ثمانيةُ نجومٍ دفعةً واحدة.

قالوا:
حدثتْ أضرارٌ جانبيَّة.

كأنَّ اللُّغةَ
أصبحتْ كفنًا أبيضَ
يُغطِّي وجهَ القاتل،
ويتركُ الضحيَّةَ
عاريةً أمامَ النسيان.

هناك،
في دولٍ أتقنتْ
غسلَ أيديها بالحبرِ والقوانين،
كانوا يحتسونَ قهوتَهم
بين خبرٍ عن الحريِّات
وإعلانِ عطرٍ جديد.

وكانت صورُ الأطفالِ
تمرُّ سريعًا
كي لا تُفسدَ
صفاءَ الضمير.

أيُّ براعةٍ هذه
التي تُحوِّلُ الرُّضَّعَ
إلى أرقام،
والبيوتَ
إلى أهداف،
والمجازرَ
إلى حقٍّ مشروعٍ
في الدفاعِ عن النَّفس؟

أيُّ بلاغةٍ سوداء
تجعلُ القاتلَ
يرتدي ثوبَ الضحيَّة،
ثمَّ تطلبُ من الدَّمِ
أن يصمتَ احترامًا
للرواية الرسميَّة؟

كانت الأمُّ
تحتَ الركام،
تعرفُ أكثرَ منهم جميعًا:

أنَّ الحقيقةَ
لا تحتاجُ إلى مترجم،

وأنَّ الطفلَ
حين يُنتشلُ من تحتِ الحجارة،
لا يُسمَّى
“ضررًا جانبيًّا”—

بل يُسمَّى
شاهدًا
على عارِ هذا العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى