رأي

من فخامة أمين الجميل إلى دولة نواف سلام (بهاء حلال)

 

 

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال  – الحوارنيوز

 

 

 

في سوريا

 

 

قراءة مقارنة في الرمزية السياسية والبروتوكولية للعلاقة اللبنانية – السورية بين عامي 1983 و2026

 

تشكل العلاقة اللبنانية – السورية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في الشرق الأوسط، نظرًا لتداخل:

 

-الجغرافيا،

-والأمن،

-والتاريخ،

-والبنية الطائفية،

-والتوازنات الإقليمية.

 

وفي هذا السياق، تحمل البروتوكولات الدبلوماسية والرمزيات السياسية في اللقاءات الرسمية أبعادًا تتجاوز الشكل، لتتحول إلى:

 

-أدوات تعبير عن موازين القوة،

-ومؤشرات على طبيعة -العلاقة بين الدول والأنظمة.

 

ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين حدثين مفصليين:

 

زيارة الرئيس امين الجميل إلى سوريا عام 1983، حين لم يستقبله الرئيس حافظ الاسد حينها بذريعة إجراء عملية جراحية،

 

وزيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا عام 2026، حيث استقبله مدير العلاقات العربية في وزارة الخارجية، قبل اجتماعه بالرئيس الشرع في القصر الجمهوري.

 

فالحدثان، رغم اختلاف الزمن والسياق، يكشفان عن استمرار استخدام البروتوكول السياسي بوصفه:

 

لغة قوة غير معلنة.

 

أولًا: زيارة أمين الجميل إلى سوريا عام 1983

 

بروتوكول الرفض المقنّع

 

جاءت زيارة امين الجميل  إلى سوريا في لحظة إقليمية شديدة التعقيد:

 

-الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982،

-صعود النفوذ الأميركي،

-اتفاق 17 أيار،

-ومحاولة إعادة تشكيل النظام اللبناني تحت المظلة الغربية.

 

وفي تلك المرحلة، كانت  سوريا تعتبر أن:

 

-اتفاق 17 أيار يمثل تهديدًا استراتيجيًا،

-وأن لبنان يتحول إلى منصة نفوذ أميركي – إسرائيلي.

 

لذلك، فإن امتناع حافظ الاسد عن استقبال الجميل شخصيًا ،حتى مع تقديم مبرر صحي، لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا بسيطًا، بل حمل رسائل استراتيجية واضحة:

 

  1. نزع الشرعية السياسية الجزئية

 

أي الإيحاء بأن القيادة السورية لا تنظر إلى السياسة اللبنانية آنذاك كشريك متكافئ بالكامل.

 

  1. فرض ميزان القوة الرمزي

 

في العلاقات الدولية، البروتوكول ليس مجرد ترتيب شكلي، بل:

 

انعكاس لموقع القوة والهيمنة.

 

وعندما يُخفّض مستوى الاستقبال، فإن الرسالة غالبًا تكون:

 

-سياسية،

-وردعية،

-وتفاوضية.

 

  1. إدارة الضغط دون القطيعة

 

فدمشق لم تقطع العلاقة بالكامل، لكنها استخدمت:

 

-“الإهانة البروتوكولية المضبوطة”،

-كأداة ضغط سياسية.

 

ثانيًا: زيارة نواف سلام إلى سوريا عام 2026

 

بروتوكول الحذر وإعادة التموضع

 

أما زيارة نواف سلام إلى سوريا فجاءت في سياق مختلف جذريًا:

 

-تحولات إقليمية كبرى،

-تراجع النظام الإقليمي التقليدي،

-الحرب المفتوحة في المنطقة،

-وإعادة ترتيب العلاقات العربية – السورية.

 

لكن رغم هذا الانفتاح النسبي، فإن استقبال رئيس الحكومة اللبنانية من قبل:

 

مدير العلاقات العربية في وزارة الخارجية، قبل لقائه بالرئيس الشرع، يحمل أيضًا دلالات سياسية وبروتوكولية عميقة.

 

فالاستقبال الأدنى من مستوى الندّية الكاملة قد يعكس:

 

  1. حذرًا سوريًا في إدارة العلاقة

 

إذ تبدو دمشق وكأنها تريد:

 

-إبقاء العلاقة ضمن سقف مضبوط،

-دون منح رمزية سياسية كاملة منذ اللحظة الأولى.

 

  1. إعادة تثبيت مركزية القرار السوري

 

أي أن الدولة السورية لا تزال تتعامل مع لبنان بوصفه:

-ساحة متصلة بأمنها القومي،

-وليس مجرد علاقة دبلوماسية تقليدية.

 

  1. توجيه رسائل داخلية وإقليمية

 

فالبروتوكول هنا لا يخاطب لبنان فقط، بل أيضًا:

-القوى الإقليمية،

-والداخل السوري،

-والتحولات العربية الجارية.

 

ثالثًا: المقارنة بين الحدثين

 

من الهيمنة الصلبة إلى الهيمنة الرمزية

 

رغم اختلاف السياق التاريخي، فإن هناك قاسمًا مشتركًا بين الحالتين:

 

-استخدام البروتوكول كأداة سياسية.

 

لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة النظام الإقليمي نفسه.

 

عام 1983:

 

كانت سوريا :

 

-قوة إقليمية صاعدة،

-تمتلك نفوذًا عسكريًا مباشرًا داخل لبنان،

-وتتحرك ضمن منطق الهيمنة الصلبة.

 

أما في عام 2026: فإن دمشق تتحرك ضمن:

 

-بيئة إقليمية أكثر هشاشة،

-ونفوذ أقل مباشرة،

-لكن مع استمرار الرغبة في الحفاظ على التأثير الرمزي والاستراتيجي.

 

أي أننا انتقلنا من:

 

“الوصاية المباشرة”،

إلى: “النفوذ الرمزي الحذر”.

 

رابعًا: القراءة القانونية والبروتوكولية

 

ماذا تقول الأعراف الدبلوماسية؟

 

وفقًا للأعراف الدبلوماسية الدولية واتفاقية Vienna Convention on Diplomatic Relations، فإن:

 

-مستوى الاستقبال،

-وترتيب اللقاءات،

-والجهة المستقبِلة، كلها تحمل دلالات رسمية محسوبة.

 

ففي البروتوكول:

 

استقبال رئيس دولة أو حكومة من قبل مسؤول أدنى مرتبة، قد يُقرأ كإشارة: 

 

-تحفظ،

-أو عدم حماسة،

-أو رغبة في ضبط مستوى العلاقة.

 

لكن في الوقت نفسه، فإن الاجتماع النهائي مع رئيس الدولة:

يعيد منح الزيارة شرعية سياسية كاملة نسبيًا.

أي أن دمشق استخدمت:

 

“بروتوكول التدرج”،

الذي يجمع بين:

 

-الحذر،

-وعدم القطيعة.

 

خامسًا: إسقاط نظري على العلاقات الدولية

 

-الواقعية السياسية والبروتوكول الرمزي

 

يمكن تفسير الحدثين ضمن نظرية: International Relations وخاصة المدرسة الواقعية (Realism)، التي ترى أن:

 

الدول تتحرك وفق ميزان القوة،

 

وأن الرموز والبروتوكولات أدوات ضمن الصراع السياسي.

 

ففي العلاقات الدولية:

البروتوكول ليس مجاملة، بل:

 

-ممارسة قوة ناعمة.

-كما يمكن قراءة السلوك السوري ضمن مفهوم:

 

“الدبلوماسية الإشارية”،

أي استخدام التفاصيل الشكلية لإرسال رسائل استراتيجية دون إعلان مباشر.

 

سادسًا: الرأي التحليلي

 

بين الكرامة الرمزية وواقعية الدولة

 

من الناحية التحليلية، لا يمكن فصل البروتوكول عن:

 

-الكرامة الرمزية للدولة،

-وصورتها السيادية،

-وموقعها التفاوضي.

 

وفي الحالتين، بدا لبنان وكأنه يدخل إلى دمشق من موقع:

 

-الحاجة،

-أو ضعف التوازن،

-أو التعقيد الداخلي.

 

لكن الفرق أن:

 

لبنان عام 1983 كان تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي والانقسام الأهلي،

 

بينما لبنان عام 2026 يدخل ضمن مرحلة انهيار إقليمي واسع وإعادة تشكيل للتوازنات.

 

وبرأيي، فإن أخطر ما في هذه المشاهد ليس فقط:

 

مستوى الاستقبال، بل:

 

استمرار اختلال العلاقة البنيوية بين البلدين،

بحيث تبقى الرمزية البروتوكولية انعكاسًا لأزمة أعمق في مفهوم السيادة والتوازن والقرار الوطني اللبناني.

 

الخاتمة

 

البروتوكول بوصفه مرآة للسياسة

 

تكشف المقارنة بين زيارتَي 1983 و2026 أن البروتوكول في الشرق الأوسط ليس مجرد تفصيل شكلي، بل:

 

-لغة قوة،

-وأداة تفاوض،

-ومؤشر على موازين النفوذ.

 

فالاستقبالات الرسمية، ومستوى التمثيل، وترتيب اللقاءات، كلها تتحول في الإقليم إلى:

 

“نصوص سياسية غير مكتوبة”،

تقول أحيانًا ما لا يُقال علنًا.

 

ومن هنا، فإن قراءة هذه الأحداث لا يجب أن تتوقف عند الشكل، بل عند:

 

ما يعكسه الشكل من توازنات،

 

وما يخفيه البروتوكول من صراعات،

 

وما تكشفه الرمزية من تحولات في النظام الإقليمي بأسره.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى