رأي

ثوابت وطنية في مواجهة مشاريع الإذعان والاحتلال (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

في مفاصل الازمات اللبنانية المتعاقبة منذ العام 1948 لغاية اليوم يبرز اسما جنبلاط الاب والابن كعلامتين فارقتين في تاريخ السياسة اللبنانية، وما يميز هذا الثنائي هو تلك القدرة الفائقة على التقاط اللحظات المفصلية للتعبير عن مواقف سياسية عروبية ووطنية وازنة، الامر الذي وضعهما دائما في طليعة السياسيين المخضرمين الذين يتقنون فن توجيه وتصويب مسارات الخطاب السياسي اللبناني، واستطاع هذا البيت السياسي صياغة دور يتجاوز حدود الطائفة والجغرافيا نحو فضاء وطني وعربي ارحب، حيث كانت مواقفهما تشكل في كثير من الاحيان بوصلة للقوى التقدمية والوطنية في مواجهة التحديات الكبرى، وهذا الحضور لم يكن مجرد استجابة للاحداث بل كان فعلا سياسيا مدروسا يجمع بين المبدئية والواقعية في ادارة الصراعات المعقدة التي عصفت بكيان الدولة اللبنانية على مر العقود.
وتأتي مواقف الوزير السابق وليد جنبلاط في هذه اللحظة الحساسة لتعيد رسم الخطوط العريضة للثوابت الوطنية، حيث تعكس رؤيته قراءة عميقة لمخاطر المرحلة التي يتداخل فيها العسكري بالسياسي، وهو باعتراضه على آلية التفاوض التي يريد اعتمادها الرئيس جوزاف عون وحكومته، انما يعبر عن هواجس شريحة واسعة تخشى من التفريط بسيادة الدولة او الانجرار الى اتفاقات امنية لا تحفظ حق لبنان الطبيعي في الدفاع عن نفسه، خصوصا في ظل استناد الطرف الاسرائيلي الى بيانات اميركية تتجاهل ابسط الحقوق اللبنانية المشروعة، معتبرا ان اي اتفاق لا يقر بحقوق لبنان لن يعدو كونه حبرا على ورق، ولن يثني المقاومة عن الاستمرار بغض النظر عن اي نتائج ميدانية يراهن عليها البعض، مؤكدا ان الشعب اللبناني يمتلك قدرة هائلة على الصمود والبقاء مهما بلغت قسوة الظروف والتهديدات.
ويتكامل هذا الموقف الجنبلاطي بابعاده السياسية والوطنية مع ما عبر عنه الرئيس نبيه بري، الذي اكد بوضوح ثبات الموقف اللبناني تجاه المفاوضات، مشددا على التمسك بصيغة التفاوض غير المباشر التي اثبتت جدواها في ملفات سابقة كترسيم الحدود البحرية والقرار 1701، وبرفض قاطع لكل اشكال “الخطوط الملونة” التي يحاول الاحتلال رسمها، اكد بري ان لبنان لا يحتمل انتقاص متر واحد من ارضه، وان اي اصرار على البقاء او تثبيت واقع احتلالي سيواجه بمقاومة صلبة لا تتزحزح عن هدفها في تحرير الارض وحفظ السيادة، معتبرا ان غدر الاسرائيلي يوجب الحذر الدائم والتمسك بـ “الميكانيزم” القائم كاطار وحيد للتفاوض الذي يحفظ الحقوق الوطنية.


وعلى ذات النسق السيادي، يبرز موقف رئيس تيار المردة سليمان فرنجية كركيزة اساسية في حماية الظهر الاستراتيجي للبنان، حيث يجدد فرنجية في كل محطة تمسكه بخيار المقاومة كحاجة وطنية لا غنى عنها لمواجهة الاطماع الاسرائيلية، معتبرا ان سلاح المقاومة هو قوة للبنان في اي تفاوض، ومنبها من الانجرار خلف طروحات تهدف الى اضعاف عناصر القوة اللبنانية تحت مسميات واهية، فالموقف الذي يمثله فرنجية يتقاطع مع الثوابت الوطنية في رفض منطق الانهزام او العزلة، مؤكدا ان التوازن الذي تفرضه المقاومة هو الضمانة الوحيدة لمنع العدو من استباحة السيادة اللبنانية وفرض شروطه المذلة.
وينضم الى هذا المشهد السيادي موقف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، الذي قدم قراءة نقدية لاذعة لمسار السلطة الذي استبدل الاولويات الوطنية باولويات مريبة تستجيب لمطالب العدو وحماته، حيث اعتبر رعد ان اتهام المقاومة بخوض “حروب الاخرين” هو هروب من المسؤولية وتبرئة للفشل الرسمي في حماية البلاد، مؤكدا ان المقاومة التي صمدت في وجه الاستباحة الصهيونية للقرى والمدن اللبنانية هي التي حمت السيادة فعليا، بينما تنصاع السلطة لتنفيذ “سلم الاخرين” الذي ليس سوى اذعان للاميركي والاسرائيلي، ومشددا على ان المطلوب اليوم هو انتزاع الانسحاب الفوري للعدو وتحقيق اعادة الاعمار دون قيد او شرط، ودون الانجرار الى مفاوضات مباشرة تشرعن الاحتلال وتنتقص من كرامة الدم اللبناني.
كما تتلاقى هذه الرؤى مع القراءة النقدية العميقة التي قدمها المؤرخ والسياسي الدكتور فواز طرابلسي، الذي فكك خيارات السلطة الحالية، معتبرا ان اتفاق وقف الاعمال العدائية الاخير يحمل تحولا سياسيا وقانونيا خطيرا يمس تعريف العلاقة مع الاحتلال، ومحذرا من ان الدولة اللبنانية تعاملت بمنطق احادي ومتبسط مع حزب الله بوصفه مجرد “سلاح غير شرعي” يجب نزعه، دون الالتفات الى الابعاد السياسية والداخلية المعقدة، ومن هنا يلتقي جنبلاط وبري وفرنجية ورعد وطرابلسي في نقطة جوهرية وهي رفض المقاربة الامنية الصرفة لملف السلاح، والتشديد على ان اي معالجة جدية يجب ان تمر عبر تسوية سياسية ونقاش وطني حول الاستراتيجية الدفاعية، بعيدا عن الرهانات الخاطئة التي تضع المؤسسة العسكرية في مواجهة داخلية لا تخدم سوى مشاريع التوسع الاسرائيلية التي تستهدف الوصول الى مشارف دمشق وتكريس مشروع “اسرائيل الكبرى”.
ان هذا التقاطع الفكري والسياسي بين هذه القامات الوطنية يبين الفجوة الهائلة بين طرح وطني عروبي يسعى لحماية السيادة والوحدة الداخلية، وبين مواقف اخرى تعيد اللبنانيين بذاكرتهم الى “الماضي الاسود” من الارتهان لمشاريع خارجية او محاولات عزل المكونات الوطنية، وانطلاقا من هذه المواقف الوطنية بات من الضروري العمل على بلورة صيغة لقاء وطني جامع لكل المعارضين للخطوات القاتلة التي تقوم بها السلطة اللبنانية، وهي مواقف تتعارض جوهريا مع الثوابت الوطنية وميثاق العيش المشترك ووثيقة الطائف والاجماع العربي حول الموقف من العدو الاسرائيلي الذي عبرت عنه قمة 2002 في بيروت، فالمطلوب اليوم هو بديل سياسي ودفاعي يحفظ تضحيات اهل الارض ويطبق الدستور بوعي استراتيجي، بدلا من القفز فوق التوازنات بقرارات فوقية تضعف الدولة وتجردها من اوراق قوتها في لحظة تاريخية مصيرية، فالكرامة الوطنية وحقوق الشعوب في الدفاع عن نفسها ليست مجرد شعارات، بل هي الاسس التي يقوم عليها بقاء الدول واستقلالها الفعلي في وجه العواصف العاتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى