إقتصاد

انهيار.. أم تعاف مشروط؟ (عماد عكوش)

 

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

       عند تناول وضع الاقتصاد اللبناني اليوم، لا يمكن للمرء إلا أن يستحضر مشهدا معقدا تتداخل فيه مؤشرات التعافي الزائفة مع أزمات بنيوية مزمنة. فمنذ الانهيار المالي الكبير الذي بلغ ذروته في عام 2020، يحاول لبنان العودة إلى الاستقرار، لكنه لا يزال يسير على حبل رفيع يعلوه شبح العجز الثلاثي ،التجاري ، المالي ، والموازنة ، ويواجه ضغوطًا وجودية من المودعين ومجموعة العمل المالي (FATF) والعقوبات الدولية.

أما اليوم، فأحدث الأرقام تكشف حقيقة قاسية ، فالاقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية عميقة تعيق أي عملية إنعاش حقيقية، وتجعل أي استقرار لسعر الصرف مرهونًا بعوامل خارجية وداخلية متقلبة.

الميزان التجاري اللبناني يعاني في الاساس من خلل جوهري يجعل الاستيراد مهيمنًا على التصدير. فخلال عام 2025، اتسع العجز التجاري بشكل خطير ليصل إلى 17 مليار دولار أمريكي، مقارنة بـ 13.22 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2024، أي بزيادة قدرها 28.59%  . هذا الاتساع لم يأتِ من فراغ؛ بل هو محصلة لارتفاع قيمة الواردات بنسبة 23.30% لتصل إلى حوالي 21.67 مليار دولار، في حين أن الصادرات، رغم نموها بنسبة 23.44%، لا تتجاوز قيمتها الإجمالية 4.67 مليار دولار فقط .  وهذا يعيد إنتاج النمط الكلاسيكي للاقتصاد الريعي الذي يعتمد على استيراد كل شيء تقريبًا، من المواد الغذائية والآلات إلى المنتجات الاستهلاكية، مقابل تصدير محدود للمنتجات الزراعية وبعض الصناعات الخفيفة والمعادن الثمينة. وبحلول يناير 2026، سجّل لبنان عجزًا تجاريًا شهريًا بقيمة 1.356 مليار دولار، مما يؤكد أن هذه المشكلة ليست موسمية بل هيكلية ومستمرة في التفاقم .

من ناحية اخرى فان أغرب الظواهر التي يعيشها الاقتصاد اللبناني اليوم هي المفارقة الصارخة بين عجز الميزان التجاري وفائض ميزان المدفوعات. فبالانتقال إلى الجانب المالي، نجد أن ميزان المدفوعات سجل فائضًا حقيقيًا في يناير 2026 بلغ 255  مليون دولار . هذا الفائض، الذي قد يوحي ظاهريًا بصحة الاقتصاد، يعكس في جوهره استمرار لبنان في لعب دور “الممر المالي” الإقليمي. فبحسب التقديرات الأكاديمية، يعود هذا الفائض إلى تدفق التحويلات المالية من المغتربين، والتي تُقدر بنحو 6  إلى 6.5 مليار دولار لعام 2025، بالإضافة إلى إيرادات السياحة التي بلغ صافي عائداتها نحو 2.5  مليار دولار، ناهيك عن استمرار ضخ رؤوس الأموال عبر النظام المصرفي . وبالتالي، فائض ميزان المدفوعات لا يعكس انتعاشًا إنتاجيًا، بل يعكس قدرة لبنان على جذب السيولة المالية رغم انهياره الاقتصادي، وهو ما يُبقي الليرة اللبنانية في منطقة خطر دائمة.

اما بالنسبة لعجز الموازنات وفي خطوة لافتة، صادق البرلمان اللبناني على موازنة 2026 كموازنة “متوازنة” من حيث الإيرادات والنفقات، بقيمة 538.42  تريليون ليرة لبنانية (حوالي 6.01 مليار دولار) . ولكن، “التوازن” هنا هو عجز في المعنى الحقيقي، إذ أنه يقوم على تضخيم الإيرادات المتوقعة بشكل غير واقعي، مع زيادة هائلة في الضرائب والرسوم. المشكلة أن هذا “التوازن” يخفي عجزًا فعليًا إذا ما تم خصم دعم مؤسسة كهرباء لبنان (EDL)، الذي لم يعد يُدرج صراحة في الموازنة بعد رفع التعريفات، لكنه لا يزال يثقل كاهل الخزينة عبر طرق غير مباشرة . وبالتالي، العجز الحقيقي في الموازنة لا يزال قائمًا، لكنه أصبح “مقنّعًا” تحت وطأة ضرائب جديدة تهدد القدرة الشرائية وتخنق أي نمو محتمل.

الرقم الأكثر إثارة للجدل هو احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة. فمن جهة ، تُظهر الأصول الأجنبية الصافية ارتفاعًا ملحوظًا بقيمة 5  مليار دولار خلال العام 2025 تقريبا”  لكن الخبراء يحذرون من أن هذا الرقم وهمي إلى حد كبير، لأنه مدعوم بشكل أساسي بارتفاع سعر الذهب العالمي . والأسوأ من ذلك، أن الحرب الدائرة في الجنوب بدأت تنهك هذا الاحتياطي الحقيقي. فمع تراجع التحويلات والإيرادات السياحية، وزاد الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد، بدأ الاحتياطي الفعلي يتآكل بمعدل يصل إلى 340  مليون دولار شهريًا .  وهذا يعيدنا إلى مربع الانهيار الأول، حيث يصبح تدخل مصرف لبنان لحماية الليرة مكلفًا ومستنزفًا للثروة الوطنية.

الامر الرابع الذي يضغط على سعر الصرف هي تعاميم مصرف لبنان حيث شكّل المودعون اللبنانيون الضحية الأكبر للأزمة ، وما زالت أوضاعهم تحت رحمة قيود المصرف المركزي. فتعميما 158   و 166 ، اللذان يحددان شروط السحب النقدي بالدولار، ما زالا ساريين، رغم التحسينات الطفيفة التي أُدخلت عليهما في تموز 2025، حيث رُفع الحد الشهري من 500 إلى 800 دولار للتعميم الأول ، ومن 250 إلى 400 دولار للتعميم الثاني ولاحقا” رفعه الى الف دولار للتعميم 158 . وهذا يعني أن المودعين ما زالوا محتجزين داخل فخ “اللولار” (ودائع الدولار المقيدة)، وأن آمالهم في استرداد أموالهم ما زالت رهينة بأي قانون لاستعادة الودائع، وهو قانون غائب حتى اللحظة. هذه القيود تسببت بفقدان الثقة بالكامل في القطاع المصرفي التقليدي، مما دفع معظم المعاملات إلى خارج المنظومة الرسمية.

وإذا كان المودعون يضغطون من الداخل، فإن المجتمع الدولي يضغط من الخارج. لبنان لا يزال مدرجًا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، بل وأيضًا على قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر .  هذا التصنيف يعادل وصمة عار دولية تكبد لبنان خسائر فادحة، أبرزها خسارة مراسلاته المصرفية الأساسية، مما يعزل القطاع المالي عن العالم. وفي خطوة تصعيدية، كثفت وزارة الخزانة الأمريكية زياراتها وتبادل الأدلة مع السلطات اللبنانية حول التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بكيانات خاضعة للعقوبات، مثل “القدس” وغيرها . وقد اضطر مصرف لبنان إلى الاستجابة بإصدار تعاميم تشدد إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) وتمنع التعامل مع الجهات المفروض عليها عقوبات، لكن الفعالية الحقيقية لهذه الإجراءات تبقى محدودة في غياب قضاء مستقل وفعال.

كل هذه العوامل تضغط اليوم على سعر الصرف ، وهذا الاستقرار النسبي الحالي، الذي يحاول البعض تسويقه كدليل على التحسن، هو في الواقع “استقرار بالتدخل” وليس استقرارًا عضوياً ، والتوقعات المستقبلية لسعر الصرف مقلقة للغاية فعلى المدى القصير تعتمد التوقعات على بقاء الهدنات الأمنية قائمة. فإذا استمرت الحرب واستمر نزيف الاحتياطي الأجنبي، فسينهار سعر الصرف الحالي بسرعة، متجاوزًا حاجز 100,000 ليرة ، وعلى المدى المتوسط هناك إجماع بين الخبراء على أن النموذج الحالي للتعويم المُدار غير قابل للاستدامة. فإما أن تشرع الدولة بإصلاحات جذرية تعيد هيكلة القطاع المصرفي وتفرض سيادة القانون، ما قد يؤدي إلى انتعاش العملة، أو ، وهو الأكثر ترجيحًا في غياب الإرادة السياسية ، أن نعود إلى سيناريو 2020، مع انهيار متسارع لليرة بسبب استنزاف الاحتياطي .

في الخلاصة النظام يعيش على الوقت المستعار ، وأستطيع القول بأن لبنان اليوم ليس في مرحلة تعافٍ، بل هو في مرحلة تثبيت للانهيار عبر مسكنات مؤقتة. فالعجز التجاري يلتهم أي فائض في ميزان المدفوعات يأتي من تحويلات المغتربين، والعجز في الموازنة يُدار عبر ضرائب جديدة تقتل أي أمل بالنهوض. أما الضغوط الدولية فتزداد، والضغوط الداخلية للمودعين تتفاقم، وسعر الصرف هو صمام الأمان الذي قد ينفجر في أي لحظة إذا ما توقفت التحويلات أو نفدت فعالية تدخلات مصرف لبنان.

الحل الوحيد ليس بتعديل سعر الصرف أو إصدار تعميم مصرفي جديد، بل بكسر الحلقة المفرغة عبر إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإقرار قانون استرداد الودائع ورفع السرية المصرفية عن الكبار والمتورطين. بدون ذلك، كل الأرقام المذكورة أعلاه ليست سوى شواهد على كارثة اقتصادية أكيدة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى