رأيعاشوراء

نظرة منهجية في نقد الخطاب العاشورائي.. الضرورة والمعايير (الشيخ محمد شقير)

 

 

بقلم الشيخ د.محمد شقير* – الحوارنيوز

كثيراً ما يتعرض الخطاب العاشورائي الى أكثر من نقد، وخصوصاً في المواسم العاشورائية، حين يحتشد جميع الناس في المجالس العاشورائية للاستماع الى تلك المجالس والاستفادة منها. ويمكن أن نعتبر هذا الفعل النقدي تعبيراً عن حالة صحية، من حيث اهتمام المتلقي، وعنايته بذاك الخطاب، وحرصه عليه. والأثر الذي يتركه في جمهور المتلقين، وطبيعة استجاباتهم له واختلافها، وما يدل عليه ذلك من حيوية علمية، وفعالية عقلية، وحس نقدي، لا بد أن يسهم تالياً في تطوير الخطاب وتصحيحه.

ولكن لما كان العديد من هذا النقد الذي يوجّه الى ذاك الخطاب، يفتقد ضوابطه أو شروطه المنهجية، بما يحرف هذا النقد ووظيفته عن أهدافها وغاياتها؛ كان لا بد من نظرة منهجية في نقد الخطاب العاشورائي، بهدف تقديم جملة من الملاحظات على هذا النقد، وإبراز أهم المعايير والضوابط المنهجية التي ينبغي له أن يلتزم بها، حتى يمكن له أن يؤدي دوره في التصويب والترشيد. لكن لا بد في البداية من توضيح مختصر حول مفهوم الخطاب ومعناه.

                                                                       

  المراد بالخطاب العاشورائي، هو ذاك التعبير عن مجمل ما يتصل بعاشوراء وثورة الحسين(ع)، ورسالتها، وقيمها، وأهدافها. بل عن تلك المدرسة التي ينتمي اليها الإمام الحسين(ع)، من حيث استجابة ذلك التعبير للواقع الذي يتوجه اليه، ومشاكله، وحاجاته، وأولوياته. وهذا الخطاب هو محاولة بشرية لفهم تلك الرسالة، وقيمها، وأهدافها من جهة. ولفهم الواقع وظروفه، ومشاكله، وأولوياته من جهة أخرى. كمقدمة للوصل الهادف ما بين تلك الرسالة وقيمها، وما بين الواقع وظروفه.

وهنا قد ينجح الخطاب الى حدّ بعيد – في بنائه وتشكيله- في التعبير عن تلك الرسالة، والاستجابة للواقع، والوصل الهادف بينهما؛ لكنه قد يخفق في أكثر من مورد، وأكثر من صناعة في بنائه وتشكيله. وهذا قد يعود الى أسباب عديدة علمية، أو منهجية، أو اجتماعية، أو غير ذلك. وهذا نتاج طبيعي لبشرية الفهم، التي قد تتأثر بعوامل، وأسباب عديدة. تؤدي الى فتح باب الاحتمال على أكثر من خطأ في الفهم، والصناعة المعرفية.

  • النقد: الأهمية والضرورة:

بما أن الخطاب العاشورائي – كأية صناعة معرفية- يمكن أن يكتنفه أكثر من خطأ، أو خلل، أو إخفاق في مورد او آخر؛ يصبح من المنطقي جداً العمل على تلمس تلك الأخطاء، واكتشاف ذلك الخلل، وتبين ذلك الإخفاق.

من هنا يصبح النقد مدخلاً ضروريا،ً ووسيلة لا غنى عنها، من أجل اكتشاف الخطأ، أو الخلل في ذاك الخطاب. كمقدمة لإصلاحه، وتصحيحه، وعلاج جميع مكامن الخلل فيه. فضلاً عن أهمية النقد في تطوير الخطاب، وجعله أكثر معاصرة، وأفضل قدرة على التعبير عن تلك الرسالة وقيمها، وأحسن استجابة للواقع وحاجاته.

 

  • النقد: ملاحظات منهجية:

مع التأكيد على أهمية النقد وضرورته، ليس كترف فكري، وإنما كممارسة علمية، ومنهجية، هادفة الى التصحيح، والتطوير؛ يبقى من الواجب القول إن هذا النقد يؤتي نتائجه تلك، بمقدار ما يلتزم موضوعيته، وعلميته، ومنهجيته. وفي المقابل، بمقدار ما يفارق موضوعيته ومعاييره المنهجية، بمقدار ما يؤدي ذلك الى خلاف تلك النتائج المنتظرة منه. ومن هنا كان من المجدي هنا الإلفات الى جملة من تلك الملاحظات المنهجية، التي يمكن تسجيلها على أكثر من نقد، تم توجيهه الى الخطاب، أو الى الشروط المنهجية، التي ينبغي الالتزام بها. أما أهم تلك الملاحظات، فهي ما يلي:

  • إن أي نقد يجب أن يرتكز الى (أو يلحظ) الأسس التي ينبني عليها الخطاب العاشورائي، من جهة تعبيره عن رسالة الثورة الحسينية، وقيمها، وأهدافها، ومبادئها. وأيضاً من جهة استجابته للظروف الاجتماعية، والأولويات، والحاجات القائمة. وإن أي تغافل عن تلك الأسس، أو تلك الظروف، ربما يفقد النقد علميته وصحته. فمثلاً، لو تم توجيه نقدٍ ما، من دون الالتفات الى جملة من المرتكزات الفكرية، أو المقدمات العلمية، سواءً كانت تاريخية أم دينية أم فكرية… فقد يتيه النقد عندها عن صحته، واصابته لواقع الأمر. والسبب هو النقص في تلك المقدمات التي ارتكز عليها، أو عدم لحاظه لجملة من القضايا أو الأسس، التي تدخل في صناعة نقده لهذه القضية أو تلك، من قضايا الخطاب العاشورائي.
  • ينبغي مراعاة الموضوعية في الصناعة النقدية. بمعنى تحديد موارد الخطأ، أو الخلل في الخطاب، بشكل منهجي، وعلمي –كما ذكرنا آنفاً-. ثم التدقيق في اللوازم العلمية، التي تترتب على تلك الأخطاء، بحيث يجب أن يكون هناك علاقة علمية (ربط) بين تلك الأخطاء (المقدمات)، وبين تلك اللوازم (النتائج). من دون ادعاء أي نتائج، لا تترتب على تلك المقدمات، أو لا يوجد ذلك الربط والتلازم بينهما.

وأحيانا،ً قد يحصل أن تكون هناك مقدمات(أخطاء)، ولكن يُعمل على تعميم النتائج(اللوازم). بحيث أن تلك المقدمات، لا تؤسس لصحة تلك النتائج من حيث سعتها، وذلك التعميم فيها. ومع ذلك، يحصل هذا التعميم في النتائج. فمثلاً، قد تكون هناك أخطاء تصدر في بعض الموارد الجزئية (من قراء بعينهم، أو باحثين محددين…) فيُعمل على إصدار أحكام عامة بحق الخطاب العاشورائي بأكمله. مع أن الناقد ارتكز في نقده على موارد جداً جزئية ومحددة، وتغافل في المقابل عن الكثير من الموارد، التي تخالف ذلك الاستنتاج.

  • هناك أكثر من نقد لا يلحظ، أو لا يأخذ بعين الاعتبار مدى التطور الذي حصل ويحصل في الخطاب العاشورائي، بالمقارنة مع ما كان عليه في السابق، قبل عقود من الزمن مثلاً.

وإن قيل بأن النقد إنما يستهدف مواطن الخلل أو الخطأ، ولا يعنى بغير ذلك؛ فالجواب أن ما يُعرض لدى تقديم ذلك النقد، ليس مجرد إحصاء أو تعداد لمواطن الخلل تلك، أو موارد الخطأ؛ وإنما يتعدى ذلك الى جملة من الاستنتاجات، أو التعميمات غير العلمية، أو المبالغ فيها، والتي تتخذ من تلك المواطن والموارد مقدمات لإصدار تلك الأحكام والتعميمات. هذه التعميمات التي تفتقر في العديد من الأحيان الى المعالجة المنهجية الصحيحة.

                                                   

 وعليه، لن يكون من الصحيح إغفال ذلك التطور المهم، الذي حصل ويحصل في الخطاب العاشورائي، عندما يراد الوصول الى تلك النتائج، والأحكام، والتعميمات، والخلاصات. فضلاً عن اعتبارات أخرى ينبغي لحاظها أيضاً في تلك المعالجة، وهي ما سوف نبينه تالياً.

  • إن أكثر من نقد، لا يلحظ الكثير من الجوانب المضيئة والهادفة في الخطاب العاشورائي. كالأدوار التي قام ويقوم بها في علاج الكثير من القضايا والمشاكل الاجتماعية وغيرها، وفي تعزيز ثقافة الإباء والشهادة، وفي بناء ثقافة المقاومة، وغير ذلك؛ وإنما تراه يتصيد بعضاً من تلك الأخطاء –على فرض كونها أخطاء- التي قد يقع فيها هذا القارئ أو ذاك الخطيب، ليبني عليها نتائج عامة، وأحكاماً قاسية، تطال جميع ما يتصل بالخطاب العاشورائي، متغافلاً عن العدد الكبير جداً من القراء، وخطباء المنبر الحسيني، والباحثين، الذين يقدمون الخطاب الحسيني بشكل هادف وناجح –بل هذا حال مجمل خطباء المنبر الحسيني-، ومتناسياً تلك الجوانب المضيئة والمشرقة في الخطاب العاشورائي. وهذا التغافل قد يؤدي الى تشويه هذا الخطاب، وتعزيز سوء الفهم له، لدى من لا يملك معرفة كافية بتلك الجوانب الهادفة، والأبعاد المضيئة، والوظائف الناجحة في الخطاب وخطبائه.

 

  • يهدف النقد الى غايات نقدية من قبيل الإصلاح، والتطوير، والتجديد، والتصحيح… وهو ما يتطلب أن تكون الصناعة النقدية في جميع جوانبها من اللغة، الى الأسلوب، الى طريقة المقاربة، الى الجرعة النقدية، الى اختيار متعلقات النقد، الى كيفية توجيهه وتوظيفه، وغير ذلك، بطريقة توصل الى غايات النقد تلك. فكم من نقدٍ أوصل الى خلاف غاياته، عندما لم تلتزم صناعته بجملة الضوابط أو الشروط التي تؤدي الى تلك الغايات. فكانت نتائج أخرى، لم تكن هي الهدف أو الغاية، ولكنها ترتبت على ذلك النقد بسبب ما ذكرنا.

وفي هذا المورد نلحظ أحياناً أن بعض النقد الذي يوجه للخطاب العاشورائي قد يعطى من الأبعاد، ويُحمل محمولات معرفية، ويكون بمستوى من الجزم في الحكم… ما يدفعك الى القول بأن هذه المقاربة النقدية، لن تصب نتيجتها في طاحونة التصحيح والتجديد. وإنما سوف تصب –مثلاً- في طاحونة التكفير، وتعزيز بعض التهم والمقولات التي توجه الى طوائف اسلامية بعينها. عندما يُعمل على تسليط الأضواء النقدية على أخطاء محدودة –هذا على فرض كونها أخطاء- ويُعمد بعدها الى تصوير القضية وكأنها تتصل بتلك الفئة من المسلمين أو غيرهم، لتكون النتيجة إتاحة الفرصة لسوء الاستفادة والتوظيف. فعلى سبيل المثال يتاح عندها لمن يمارس التكفير التقاط هذه المقاربات النقدية وطريقتها، لتدعيم اتهامه ومقولاته، وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج.

أو مثلاً عندما يوجه النقد بطريقة تؤدي الى اضعاف ثقة الكثيرين بمجمل الخطباء الحسينيين، والى تعطيل الخطاب عن قيامه ببعض وظائفه، وبالحد الأدنى اضعافه عن قيامه ببعض ادواره؛ فالسؤال الذي يُطرح، أنه هل هذا ما يهدف اليه من طرح هذه المقاربة النقدية أو تلك؟ واذا لم يكن هذا هو الهدف أو غيره، وكان جل هؤلاء يصدرون في نقدهم عن أهداف علمية وغايات سليمة؛ فهذا يتطلب أن تكون الصناعة النقدية في جميع تفاصيلها، بما يخدم تلك الأهداف، ويوصل الى تلك الغايات.

 وهنا لا بد أن نختم بالقول، إنه ليس الهدف مما ذكرنا من ملاحظات نقدية تعطيل النقد، وإنما ترشيده. لأن النقد -وكما ذكرنا- مدخل ضروري لا غنى عنه للتصحيح، والتطوير، والتجديد، والتصويب. وهذا يحصل عندما تكون الصناعة النقدية صناعة هادفة، تلتزم جميع الشروط المنهجية والعلمية، التي تؤدي بها الى غاياتها، وتتجنب كل ما من شأنه أن يؤدي بها الى خلاف تلك الغايات. وهنا قد يصح القول، إنه كما ينبغي العمل على ترشيد الخطاب العاشورائي وتطويره، ليخدم أهدافه؛ ينبغي أيضاً العمل على ترشيد نقد ذلك الخطاب، وتطوير هذا النقد، ليخدم أهدافه في التصحيح، والتقويم، والتجديد.

*أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى