إقتصادمحليات لبنانية

النظام المالي الموازي: كيف أنقذت التكنولوجيا المالية والعملات الرقمية الاقتصاد اللبناني من الشلل التام؟ (عماد عكوش)

 

 

بقلم: د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

عندما تنهار الثقة في النظام المصرفي التقليدي ، لا يتوقف الاقتصاد عن النبض ، بل يبحث عن مسارات جديدة للنجاة. في لبنان، ومع اندلاع الأزمة المالية غير المسبوقة أواخر عام 2019 وفرض المصارف لضوابط غير رسمية على رؤوس الأموال  Capital Controls) )، وجد اللبنانيون أنفسهم فجأة خارج النظام المالي العالمي. وفي خضم هذا العزل المالي والاقتصادي، برزت التكنولوجيا المالية (FinTech) والعملات المشفرة  Cryptocurrency) ) ليس كرفاهية تكنولوجية ، بل كحاجة وجودية وطوق نجاة ، لتعيد رسم خريطة المدفوعات والمدخرات في البلاد.

كيف حمت التكنولوجيا والعملات المشفرة مدخرات اللبنانيين؟

في ظل التدهور الدراماتيكي لقيمة الليرة اللبنانية والاحتجاز القسري للودائع ، فقد اللبنانيون ثقتهم في المؤسسات المالية التقليدية . هنا لعبت العملات المشفرة ، وتحديداً “العملات المستقرة”   Stablecoins)  مثل USDT   )المرتبطة بالدولار الأمريكي) ، دور الملاذ الآمن .

لم يعد اللبناني مضطراً لتخزين الأوراق النقدية (الكاش) في المنازل وما يرافق ذلك من مخاطر أمنية وتلف ، بل تحولت الهواتف الذكية إلى خزائن رقمية محصنة . سمحت هذه التقنية للشباب ، المهنيين، والمستثمرين بتحويل ما يجنونه من أموال إلى أصول رقمية تحافظ على قيمتها، بعيداً عن تقلبات سعر الصرف المحلي، وبعيداً عن أي اقتطاع  Haircut) ) أو تجميد قد تفرضه السياسات النقدية.

كان التحدي الأكبر للشركات الناشئة والمستقلين  Freelancers) ) في لبنان هو كيفية تقاضي أجورهم من الخارج أو دفع مستحقات الموردين الأجانب في ظل توقف التحويلات المصرفية .  SWIFT)  ) شكلت العملات المشفرة والمحافظ الرقمية الدولية جسراً مباشراً تخطى كل الحدود والقيود . بضغطة زر ، وبدون المرور بنظام مصرفي وسيط معقد ومكلف ، بات بإمكان المبرمج أو المصمم اللبناني استلام أتعابه من أوروبا أو أمريكا ، وبات بإمكان التاجر استيراد بعض السلع الأساسية . هذا الاختراق اللامركزي أبقى شريحة واسعة من القوى العاملة الشابة داخل دورة الإنتاج العالمي .

مع تحول لبنان إلى اقتصاد نقدي  Cash Economy) )  بنسبة زادت عن 50% من الناتج المحلي ، ظهرت تعقيدات هائلة في التعامل اليومي ، أكياس من النقود ، أزمة فكة (فئات نقدية صغيرة) ، ومخاطر السرقة. هنا ، تدخلت شركات التكنولوجيا المالية المحلية (مثل المحافظ الإلكترونية المرتبطة بشركات تحويل الأموال وتطبيقات الدفع المستقلة) لتملأ الفراغ . تحولت هذه التطبيقات إلى بديل شبه كامل للحسابات الجارية ، حيث مكنت الشركات من دفع رواتب موظفيها إلكترونياً بالدولار النقدي (Fresh Dollars) أو بالليرة . ووفرت للمواطن شبكة آمنة وسريعة لتسديد فواتير الكهرباء ، الاتصالات ، واشتراكات الإنترنت ، وحتى الدفع في المحال التجارية والمقاهي عبر تقنية الـ QR Code، مما أعاد شيئاً من السلاسة والأمان المفقود في الدورة الاقتصادية اليومية.

تاريخياً اعتمد لبنان على تحويلات مغتربيه التي تمثل اليوم نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي ، وهي النسبة التي تمنع الانهيار الاجتماعي الشامل. قبل الأزمة كانت التحويلات تمر عبر البنوك ببطء وبرسوم مرتفعة . أما اليوم فقد أحدثت شركات الـ FinTech ثورة في هذا المسار . أصبح بإمكان المغترب في أستراليا أو كندا أو الخليج تحويل الأموال مباشرة إلى المحفظة الإلكترونية لعائلته في لبنان (Wallet-to-Wallet) في ثوانٍ معدودة ، وبرسوم تنافسية جداً . هذا الربط المباشر والمنخفض التكلفة لم يعزز صمود العائلات المقيمة فحسب ، بل شجع المغتربين على إرسال مساعدات دورية أصغر حجماً ولكن بتواتر أكبر، مما خلق سيولة نقدية مستمرة تضخ في شرايين الاقتصاد المحلي مباشرة.

من منظور اقتصادي كلي ، ما فعلته التكنولوجيا المالية في لبنان يتجاوز حل الأزمة المؤقتة . إنها تؤسس لنموذج جديد من “الشمول المالي” Financial Inclusion) )  .  فاليوم بات الأفراد غير المتعاملين مع البنوك  Unbanked) )    والذين أصبحوا يمثلون الأغلبية الساحقة في لبنان حالياً يمتلكون أدوات مالية متطورة. هذا التحول نحو “الكاش الرقمي” يساعد جزئياً في مكافحة بعض مساوئ اقتصاد الكاش المادي ، إذ يعيد قدراً من قابلية التتبع  Traceability) ) للعمليات المالية ، ويحد من التهرب الضريبي العشوائي ، ويسهل على الشركات ضبط حساباتها بدقة أكبر من التعامل الورقي البحت.

في الخلاصة لقد أثبتت التكنولوجيا المالية والعملات الرقمية في لبنان أن الابتكار يولد من رحم المعاناة . لقد كانت هذه الأدوات بمثابة “مستشفى ميداني” أنقذ الاقتصاد من نزيف حاد ، ووفر للمواطن اللبناني كرامته المالية وحرية التصرف بأمواله . ولكن يجب التأكيد على أن هذه الحلول التكنولوجية ، رغم عبقريتها وفعاليتها ، لا يمكن أن تحل مكان سياسة نقدية حكيمة ونظام مصرفي مهيكل وخاضع للرقابة وقادر على إعطاء القروض لتمويل النمو . التكنولوجيا المالية اليوم هي الرافعة التي تبقي لبنان على قيد الحياة ، ولكن تعافي الاقتصاد بشكل مستدام يتطلب إعادة هيكلة شاملة تتكامل فيها هذه التكنولوجيا مع نظام مالي رسمي يستعيد ثقة العالم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى