إقتصاد

لبنان يدخل بقوة في حالة “التضخم المفرط”: النسبة 500 بالمائة حتى الآن!

د.فيصل زيود

التضخم هو ارتفاع الأسعار بنسب تفوق معدل النمو الاقتصادي. وهو من المؤشرات الاقتصادية التي يشعر بها المستهلك نتيجة تعامله يوميا مع اسعار السلع والخدمات، ويحصل عادة عند زيادة الطلب على للسلع والخدمات عن العرض، ولكن ما يحصل حاليا في لبنان هوالأخطر، اذ من الاسباب التي أدت إلى التضخم، زيادة الكتلة النقدية والانفاق الحكومي في ظل عجز الموازنة دون زيادة في الإيرادات .

ان معدلات ارتفاع الأسعار في لبنان وصلت إلى مستويات لم يسبق ان واجهها البلد منذ فترة طويلة، وهي نتيجة التراجع الحاد لقيمة العملة اللبنانية في السوق السوداء، ويترافق ذلك مع استمرار فشل المنظومة السياسية  في الاتفاق على تشكيل حكومة ولا على طريقة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية.

هذا الوضع الخطير يجعلنا نتخوف اليوم من انزلاق لبنان في التضخم المفرط ،وهذا ما يراه الكثير من الاقتصاديين نتيجة التسارع الحاد والمطرد في الأسعار بشكل يومي، ما ينعكس سلبا على ثقة المستهلك في العملة المحلية فينتج عنه تراجع حاد في قيمتها أمام العملات الأجنبية. ونلاحظ أيضا إن تضاؤل احتياطيات العملة الصعبة المنخفضة لدى المصرف المركزي  سيجعله غير قادر على استمرار دعم الوقود والقمح والأدوية اكثر من مدة 3 أشهر أخرى، وهذا ما أكدّه حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة من أن المصرف لا يمكنه استخدام احتياطه الإلزامي لتمويل التجارة بمجرد بلوغه الحد الأدنى.

أن التضخم في لبنان تجاوز بالفعل نسبة الـ 500 بالمئة، وتراجعت بنسب كبيرة قدرة المواطنين الشرائية خلال الأشهر القليلة الماضية نتيجة الارتفاعات الحادة في أسعار السلع والخدمات، ناهيك عن إغلاق الشركات وزيادة معدلات البطالة وانخفاض الإيرادات الضريبية. وتظهر مؤشرات التضخم في البلد حجم التراجع الدراماتيكي في القدرة الشرائية للمواطنين واتساع دائرة المحتاجين، وبالرغم من ذلك تمعن هذه المنظومة بتسارع الانهيار عبرطرح دفع سلفة على الرواتب لفئة دون أخرى بحجة المساعدة على الصمود بوجه هذا الغلاء الفاحش، ولا شك ان محاذير هذه الخطوة ستكون مدمرة، لانّ أي زيادة على الأجور في ظل هذه الظروف سيؤدّي الى مزيد من الارتفاع في سعر الدولار، وبالتالي سينعكس تراجعا أكبر للقدرة الشرائية عند المواطنين.

          بالرغم من ان استمرار التضخم وثبات الرواتب يزيدان نسبة الفقر أكثر وأكثر، ولكن زيادة الأجور ليست حلاً، إنما ستؤدي الى تراكم التضخّم ككرة الثلج  والاسراع  بالانهيار، ومعه ستنخفض القدرة التنافسية للمؤسسات الخاصة نتيجة عدم قدرتها على زيادة للرواتب.

رغم كل ذلك  تواصل هذه المنظومة السياسية الهروب إلى الأمام خوفا من جرعة الإصلاح الحقيقي الذي يضرب مصالحها، من خلال اقتراح القانون المعجل المكرر الذي تقدم به النائب علي حسن خليل  لإعطاء مليون ليرة لبنانية شهرياً لكل ضباط وعناصر القوى العسكرية والأمنية لمدة 6 أشهر لامتصاص نقمة العسكر، وتكمن الخطورة كبيرة في هذا القرار، لأن ذلك يتطلّب طبع أوراق نقدية اضافية من أجل تأمين 600 مليار ليرة، وفي حال تمّ تنفيذه ، سيؤدّي إلى تراجع إضافي بسعر صرف الليرة أمام الدولارنتيجة ازدياد حجم الكتلة النقدية .

وهذا الطرح سيؤدي حتما واستنادا الى مبدأ “المعاملة بالمثل” الى مطالبة الموظفين في سائر القطاعات والإدارات العامة بالزيادة أيضا، لأنه لا يجوز صيف وشتاء على سقف واحد، وهذا من شأنه أن يزيد من طبع العملة وزيادة الكتلة النقدية ، وبمقارنة بسيطة نجد أنه اذا كانت الدولة تدفع حاليا رواتب وأجور للعاملين والمتقاعدين في القطاع العام 12 ألف مليار ليرة ، فعند زيادة الأجور سترتفع الكلفة الى 22 ألف مليار، وعندها سندور في الحلقة المفرغة والدخول بالتضخم المفرط على غرار فنزويلا.

          إن زيادة الأجور تأتي بعد الاصلاح وتصحيح المسار الإقتصادي، أما اليوم فالزيادة المقترحة هي أموال وهمية لن تزيد القرة الشرائية بل سيكون لها مفعولا عكسيا لأنّ هذا سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية وبالتالي تتراجع القيمة الشرائية لليرة كما تتراجع قيمة الودائع بالدولار في المصارف، لذلك أجمع خبراء المال والاقتصاد على “كارثية” النتائج المتأتية عن المزيد من طبع العملة في هذا الوقت.

يواجه لبنان تراجعا متسارعا في احتياطي النقد الأجنبي منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، مع تزايد حاجة البلاد للنقد الأجنبي وتراجع وفرته محليا، وسط هبوط حاد في سعر صرف الليرة. اذا ما دامت هذه السياسة مستمرة، ستزداد نسبة الفقر بشكل مخيف.. علما ان البنك الدولي كان قد توقع ان الفقر سيواصل التفاقم على الأرجح، ليصبح أكثر من نصف السكان فقراء بحلول عام 2021، فيما من المتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 194% ارتفاعاً من 171% في نهاية 2019.

 لا شك ان خطة هذه المنظومة ليست بريئة تماما، بل هي محاولة لاستمالة العسكر وضرب اسفين مع باقي الموظفين، وعندها تكون هذه المنظومة أغرت العسكر من جيبهم الخاص كما ذكرنا اعلاه وضربت القطاعات ببعضها البعض، وكذلك جعلت العسكر بوجه الثوار لتأخير الاصلاح قدر المستطاع  منعا للتغيير المنشود وبناء وطن بدل من المزرعة الحالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى