نتنياهو يفشل في إدارة الحروب وإنهائها (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد حوماني – الحوارنيوز

كون اختصاصي الأساسي هو هندسة الاتصالات، وعملي الفعلي هو تنفيذ مشاريع، فقد كان لزامًا عليّ أن أخضع لدورة في (إدارة المشاريع). لذا التحقت بإحدى الشركات المتخصصة بهذا المجال وهي فرع للشركة الأم في كندا، وقد استمتعت كثيرًا بهذا العالم الذي كانت معلوماتي عنه ضئيلة جدًا. وخلال أسبوعين حدثنا الأساتذة عن الخطوات التفصيلية لإدارة أي مشروع منذ افتتاحه، مرورًا بمساراته المختلفة، ونقاط الاعتلام الرئيسية فيه، وصولًا إلى خطواته النهائية. لكن الملفت أن كل الذين حاضروا خلال الدورة كانوا يصرّون على نقطة أساسية، وهي كيفية إغلاق المشروع، فبرأيهم إن إغلاق المشروع هو أهم نقطة في العمل. وإذا ما أردنا تطبيق هذا الكلام في الحياة العملية، فهو يعني كيفية الخروج من أي عمل بأفضل النتائج وأقل التأثيرات السلبية أو الندوب والخسائر المفترضة.
في السياسة والعسكر يُحسب لرئيس وزراء الكيان الغاصب بنيامين نتنياهو أنه مُبدع في فتح المشاريع (الحروب والمشاكل السياسية)، سواء مع الأعداء كما يصفهم، أو مع الخصوم السياسيين في الداخل والخارج. فهو منذ ثلاث سنوات تقريبًا خاض – حسب قوله – سبع حروب متفرقة ومتزامنة، لكنه حتى اليوم لم يستطع إغلاق أي منها. كما فتح العديد من المشاكل الداخلية، سواء مع خصوم سياسيين أو مع حلفاء، كما في قضية الحريديم، ولم يستطع إغلاق أي منها كذلك. أما في الخارج فحدّث ولا حرج، فقد كسر الرقم القياسي في استعداء الدول، حتى حلفائه، فلم تعد العلاقات مع الدول الراعية لكيانه مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرهم كما كانت في السابق. كذلك فعل مع دول عديدة في أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، فيما المنظمات الدولية سئمت من أفعاله وتصرفاته، وظهر ذلك في قرارات محكمة العدل الدولية بشأن ارتكاب جرائم حرب جماعية في غزة، والمحكمة الجنائية الدولية حيث أصدرت مذكرات توقيف بحق قادة صهاينة بينهم وزراء ونواب وقادة عسكريون، ومنظمة حقوق الإنسان، والكثير من مؤسسات الأمم المتحدة، وليس آخرها قطع العلاقات مع مكتب وكيل الأمم المتحدة بعد إدراج الكيان الصهيوني في القائمة السوداء المتعلقة بانتهاكات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وكذلك إضافة هذا الكيان إلى قائمتها المتعلقة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال في مناطق النزاع.
وعلى الصعيد الشعبي فقد شهدت الجامعات الرئيسية في العالم تظاهرات صاخبة ضد الكيان وقادته، وكذلك شهدت العواصم العالمية مزيدًا من الاحتجاجات ضده وضد جرائمه المتواصلة. أما الدول العربية، خصوصًا الخليجية منها، فبالرغم من ودّها وتقربها من الكيان في السنوات السابقة، إلا أنها ضاقت ذرعًا بما يقوم به ويفعله، واتسمت قراراتها الأخيرة بالواقعية السياسية، فهي مترددة في الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وتنأى بنفسها عن مزيد من الارتماء في الحضن الصهيوني، وتشترط الوصول إلى سلام في المنطقة وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة لتعديل موقفها. وقد زاد من سخطها عليه أنه حطّم كل التصورات التي بناها أسلافه، في أن من مصلحة العرب التحالف مع الكيان الصهيوني لأنه سيحميهم من عدوهم الإيراني حسب تعبيره، لكن الوقائع أثبتت ليس فقط أنه لا يستطيع حمايتهم، بل هو نفسه بحاجة إلى حماية الآخرين، وعمليًا هم من قام بحمايته والدفاع عنه بصدّهم الصواريخ الإيرانية قبل أن تصل إلى كيانه المهتز.
المشاريع الناجحة تبدأ بتخطيط جيد، وموازنة وتكاليف تقديرية واقعية، وزمن محدد، ورقابة وتوجيه للمسار الفعلي للمشروع. هذه النقاط الأساسية في أي مشروع ضرب بها نتنياهو عرض الحائط، فخرج لحروب عديدة من دون تخطيط جيد، بل اعتمادًا على قوة عسكرية نارية ظن أنها تحقق أهدافه، من دون الالتزام بخطة واضحة المعالم ومسار يمكن التنبؤ به. وعلا صوت رئيس أركانه وقادة جيشه في خضم المعركة عن نقص كبير في الذخائر والجنود، ولولا الجسر العسكري الجوي المفتوح من أمريكا لما استطاع الصمود في أي من تلك الجبهات التي فتحها. كذلك فقد خرق كل المدد الزمنية التي وضعها، فوضع جيشه واقتصاد بلده في مأزق كبير ما زال يعاني منه. ونظرًا لفشله في النقاط الماضية، لم يستطع إعادة توجيه المسار بما يخدم (نجاحاته) – إذا سلمنا أنها نجاحات – فما زال يُغرق الجميع في مزيد من التأزم والخسائر من دون أفق واضح.
لقد افتتح نتنياهو حروبًا ومعارك عسكرية وسياسية عديدة، لكنه فشل في إغلاق أي منها. فلا في غزة أنهى حركة حماس أو نزع سلاحها، بل ما زالت هي القوة الأكثر حضورًا على الساحة الفلسطينية، وباب الحرب معها ما زال مفتوحًا على مصراعيه. ولا استطاع إسقاط النظام في إيران، وتلقّى ضربات موجعة في قلب كيانه الغاصب، ولا أنهى البرنامج النووي الإيراني، بل وأدخل حلفاءه العرب والأمريكيين في متاهة الحرب التي أودت بأمنهم واقتصادهم، وفضحت مشاريعهم، وأظهرت صورتهم الحقيقية – التي عملوا لعشرات السنين على بلورتها وصناعة وعي شعوبهم بأحلام القدرة والقوة والأمن. وفي لبنان خرج لينهي المقاومة ويرغمها على الاستسلام، فإذا به يقع في مصيدتها، فعادت تضرب مدنه وقراه، وتلاحق جنوده في كل دبابة وناقلة جند، وتقصف مستوطناته وترعب سكانها. ولولا الدولة المتخاذلة في لبنان لكانت هزيمته مدوية، وها هو يهرب إلى الأمام دومًا نحو مزيد من القتل والقصف والتدمير، وهو على يقين أن ذلك لن يُنقذه من الوحل الذي سقط فيه.
كان يجب على نتنياهو أن يفهم أن مشاريع الحروب يجب أن تُدرس بعناية كبيرة، وتُحسب نقاط اعتلامها بدقة عالية. وقد لا يُلام هو إذ إن نرجسيته وخوفه من مصيره الأسود في الداخل الصهيوني يؤثران على قراراته، لكن لا يُمكن لقيادات جيشه إلا أن تكون قد خضعت لدورات إدارة المشاريع – ولو العسكرية منها – وتعرف أن المشروع الذي لا نهاية له لن يجلب إلا مزيدًا من الخسائر والهزائم والانهيار مهما طال أمده.



