رأي

الخداع الميداني وتهافت الدبلوماسية: لبنان في فخ الاستنزاف والاملاءات الأميركية (أكرم بزي)

 

 

​كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

​بين وهم السيطرة الميدانية التي يحاول المستوى العسكري والسياسي تسويقها في تل ابيب، وحقيقة الاستنزاف القاسي على ارض الواقع، تتكشف ملامح المأزق الاسرائيلي في جنوب لبنان كفخ استراتيجي كتب عنوانه بأحرف من نار. هذا التناقض الصارخ ليس تحليلا خارجيا، بل هو خلاصة ما ينضح به الاعلام العبري ومراسلوه العسكريون، الذين باتوا يحذرون علنا من الغرق المتجدد في الوحل اللبناني.

​يتضح هذا الانفصام عند مقارنة الرواية الرسمية بالواقع الميداني، ففي حين خرج المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي صباح اليوم الاحد، 31 مايو 2026، ليعلن بمثالية مفرطة عن توسيع العمليات البرية والتوغل نحو مناطق جديدة شملت “قلعة الشقيف” ووادي السلوقي والعبور خلف الخطوط السابقة، جاءت قراءة الخبراء العسكريين لتكشف ان هذا التوسع ليس علامة قوة، بل هو زيادة في عدد الاهداف المتاحة للمقاومة، وفي هذا السياق، اوضح تقرير القناة 12 العبرية ان محاولات السيطرة على الارض لن توفر حلا لازمة المسيّرات الانتحارية، بل قد تؤدي الى نتيجة عكسية تماما عبر نشر القوات في مساحات اوسع تجعلها صيدا سهلا.

​ان هذا التحذير وجد مصداقيته السريعة في الميدان اليوم، حيث اعلن موقع “Ynet” العبري نقلا عن الجيش، مقتل الرقيب “مايكل تيوكين” البالغ من العمر 21 عاما من وحدة استطلاع لواء غفعاتي، واصابة اربعة جنود اخرين جراء هجوم بطائرة مسيرة انقضاضية متفجرة، ليعزز هذا الحدث ما كتبه المراسل العسكري للقناة 12 شاي ليفي في 29 مايو 2026، حين انتقد بشدة قادة الجيش قائلا ان الثمن الباهظ هو نتيجة مباشرة للاستهانة بقدرات العدو والتمسك بانماط عمل قديمة كلفت اسرائيل غاليا طوال تاريخ “المنطقة الامنية”، ومشيرا الى ان المقاومة استغلت جمود القوات لادخال مسيرات دقيقة اصابت الهياكل اللوجستية والادارية، ومدللا على ذلك بمقطع فيديو بلدة حداثا الذي اظهر مراقبة دقيقة وعمليات روتينية للمقاومة على مسافة قريبة جدا من القوات.

​هذا الفشل في احتواء سلاح المسيرات الذي يملك كلفة تراكمية غير مقبولة اسرائيليا، انعكس تراجعا في جبهات اخرى، حيث اضطر الجيش الى توقيف عمليات تجريف المنازل بعد استهداف جرافات دبلومات ومعدات الهندسة، وامتناع الشركات المدنية وسائقيها عن التوجه الى الموت، مما اشعل تبادلا حادا للاتهامات بين المستويين العسكري والسياسي للتنصل من المسؤولية.

​ولم يتوقف هذا الاستنزاف عند حدود جبهة المواجهة الامامية، بل تمدد ليحدث زلزالا في الجبهة الداخلية ومستوطنات الشمال التي عاشت ليلة قاسية من الصواريخ والمحلقات وصافرات الإنذار. ونقل المحلل العسكري لموقع “والا” إيلي أشكينازي اليوم، 31 مايو 2026، حالة الغضب العارم والشعور العميق بالتخلي والخذلان الذي يسود بين المستوطنين ورؤساء السلطات المحلية جراء ما سموه محاولات “تطبيع الواقع المجنون”، حيث هاجم رئيس مجلس المطلة دافيد أزولاي الحكومة بحدة اثر الرشقات الصاروخية الاخيرة، واصفا ما جرى بانه ليلة اخرى من الاستباحة والركض نحو الأماكن المحصنة في واقع مستحيل لا يهم حكومة اسرائيل بتاتا، بينما اطلق رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى أساف لنغلبن صرخة اتهام اكد فيها ان الحكومة تتخلى عن المنطقة، مطالبا باعادة الامن فورا ودون قيود.

​هذا الانهيار في معنويات الجبهة الداخلية تجسد ميدانيا في اصابة مباشرة لقلب مدينة “كريات شمونة” بعشر قذائف صاروخية، تسببت باضرار جسيمة للمصالح التجارية والمحال بحسب ما افاد رئيس بلديتها أفيحاي شتيرن، الذي وجه بدوره انتقادات لاذعة للحديث عن وقف اطلاق النار، متسائلا باستنكار ان كان وقف اطلاق النار يعني دخول الاطفال والمستوطنين الى الملاجئ في منتصف الليل، ومحذرا من كارثة محققة لو سقطت هذه الرشقة قبل ساعات من موعدها.

 وفي ذات السياق، نقل أشكينازي عن مستوطنة من المدينة ابداءها احباطا عميقا لغياب الرد الجوي او اي حكم ينصف المدينة التي قضت الصواريخ على ما تبقى من مصالحها الاقتصادية، وسط تساؤلات قاسية بين مجموعات السكان حول جدوى بقاء المواطنين والاطفال تحت النار دون قيام الحكومة باخلائهم، وهو ما دفع رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان للانضمام الى الهجوم عبر منصة “إكس” اليوم، واصفا حكومة بنيامين نتنياهو بانها “حكومة 7 اكتوبر” التي تخلت عن سكان الشمال وتركتهم لمصيرهم بين الصواريخ والمسيرات، لتتقاطع هذه المعطيات مع ما اكدته صحيفة “جيروزاليم بوست” اليوم 31 مايو 2026، بشان فرض قيود جديدة شملت صفد ونهاريا، ودفع سكان 270 تجمعا سكنيا في الشمال الى الملاجئ خلال الايام العشرة الماضية.

​على الصعيد الخارجي، تتقاطع هذه الانكسارات الميدانية مع كواليس السياسة الدولية، اذ كشفت هيئة البث الاسرائيلية اليوم 31 مايو 2026، عن كواليس المفاوضات الامنية الجارية برعاية امريكية في البنتاغون، مشيرة الى ان اسرائيل رفضت في جولة الجمعة الماضية مطلبا لبنانيا بالانسحاب الكامل، محاولة التمسك بشروط امنية تفرض امرا واقعا.

 ان هذا السلوك السياسي الاسرائيلي ياتي مستندا الى رغبة ادارة دونالد ترامب في انهاء الحرب الاقليمية، ولكن مع منح بنيامين نتنياهو فرصة زمنية اخيرة لتحقيق انجاز ميداني او سياسي يغطي على الفشل، وتسعى واشنطن من خلال هذا المسار الى محاولة قبض ثمن سياسي يعوض الاخفاق في جبهات اخرى، عبر فرض التطبيع على دول عربية، وصياغة اتفاق امني مجحف يحفظ ماء وجه الاحتلال، ويخفي حقيقة ان الحرب لم تحقق ايا من اهدافها المعلنة امام ضربات الميدان التراكمية.

​وفي المقابل، تتعدد التصورات الامريكية تجاه لبنان وتتشابك في هندستها لمرحلة ما بعد حرب 2026، غير ان جميع هذه المسارات تلتقي عند استغلال حالة التواطؤ البنيوي والعجز المشهود للسلطة اللبنانية، التي تبدو عاجزة تماما عن تقديم اي حلول وطنية، ومستسلمة بشكل كامل للضغوط والاملاءات الامريكية والإسرائيلية. ويقوم التصور الامريكي الاول، المتعلق بالهندسة الامنية السياسية للحل، على افتراض ان الجمع بين الهدنة والتفاوض والضغط السياسي التدريجي يمكن ان يحول الساحة اللبنانية نحو استقرار مؤسساتي تفرضه واشنطن، مستفيدة من جهوزية الرسميين اللبنانيين لتلقي الشروط دون ممانعة فعالة، بينما يرتكز التصور الثاني، المؤسساتي السيادي، على فرضية اعادة تموضع الدولة واحتكارها للقوة، وهو مسار تربطه المساعدات الدولية بتفكيك عناصر القوة اللبنانية، في ظل سلطة تتماهى مع هذا الطرح وتتعامل معه كخيار وحيد، مسقطة من حساباتها اي اوراق قوة ميدانية.

​ويظهر هذا الاستسلام والارتباك الرسمي في اعلى مستويات القرار اللبناني، حيث تعيش السلطة حالة من الانفصام والتهافت امام شروط التفاوض. ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة الاسبق فؤاد السنيورة يدعو علنا الى الانسحاب من المفاوضات تحت وطاة التوحش والاجرام الاسرائيلي المستمر، كان رئيس السلطة الحالي يصر على ان لا سبيل الا الدبلوماسية والمفاوضات مع الاحتلال لوقف العدوان، ما يعكس عمق العجز والقبول اللبناني الرسمي بالتحرك تحت سقف السيطرة الامريكية، وتحول الموقف الحكومي الى مجرد صدى للرغبات الخارجية دون امتلاك القدرة او الارادة على فرض شروط تحمي السيادة الوطنية.

​وفي هذا السياق، ينظر التصور الامريكي الثالث الى لبنان بوصفه نقطة هشاشة في التسوية الاقليمية، حيث تسعى واشنطن الى جعل الجبهة اللبنانية منطلقا لتقليص النفوذ الايراني واعادة احتواء امتداداته، لا مجرد جبهة تحتاج الى تهدئة ظرفية، وتتكامل هذه الرؤية مع هندسة جيوسياسية شاملة تضع لبنان في ركاب الترتيبات الامريكية الاقليمية الجديدة، وتتعامل مع الساحة اللبنانية بوصفها اختبارا للمصداقية الامريكية في فرض الارادة وحماية المصالح، وهو ما يفسر الاصرار الاسرائيلي والامريكي على صياغة اتفاقات مجحفة، تجد في عجز السلطة اللبنانية وتواطؤها وتهافتها الدبلوماسي، المناخ المثالي لتمريرها والعبور من خلالها الى فرض واقع سياسي وامني جديد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى