رأي

المشاهد السوريالية للحرب: حين تصبح الطائفة ساحةً لا موقفًا (زينب إسماعيل)

 

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

في لبنان اليوم، تبدو الحرب كأنها تكتب نفسها بمنطق سوريالي؛ حيث تتجاور التناقضات دون أن تُلغي بعضها. يُقال إن الحرب تستهدف الشيعة، وفي الوقت نفسه نجد كثيرين من الشيعة أنفسهم ينتقدون المقاومة الحالية أو يحملونها مسؤولية خيارات سياسية وعسكرية أوصلت البلاد إلى هذا المنعطف. ويهاجم بعض أبناء الطوائف الأخرى المقاومة بشدة، فيما يقف آخرون من هذه الطوائف نفسها إلى جانبها أو إلى جانب فكرة مواجهة إسرائيل.

 

هذا التناقض ليس تفصيلًا عابرًا، بل يكشف هشاشة السرديات الجاهزة. فاختزال الناس بطوائفهم يجعل كل جماعة تبدو كتلة واحدة، بينما الواقع اللبناني أكثر تعقيدًا: داخل كل بيئة انقسامات، وداخل كل طائفة أصوات متعارضة، وداخل كل بيت تقريبًا رواية مختلفة للحرب والخوف والخسارة.

 

وعندما نعود إلى التاريخ، نجد أن التجييش الطائفي لم يكن استثناءً في لبنان، بل أداة متكررة لإدارة الصراعات. القوى الخارجية، على اختلاف مشاريعها، لم تتعامل مع لبنان غالبًا كدولة موحدة، بل كساحات نفوذ متداخلة. وكلما ضعفت الدولة، أصبحت الطوائف أبوابًا للدخول إليها. لذلك لم تكن الطائفية فقط نتيجة أزمات لبنان، بل أصبحت أحيانًا وسيلة لإدارة هذه الأزمات وإبقائها مفتوحة.

 

لكن المفارقة الأهم أن تاريخ المقاومة في لبنان لم يبدأ كهوية مذهبية مغلقة. خلال عقود سابقة، لم تكن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي أو التدخلات الخارجية محصورة ببيئة واحدة. شارك في المقاومة يساريون، قوميون، إسلاميون، ومجموعات وأفراد من طوائف متعددة، واختلفت مشاريعهم وأهدافهم، لكن فكرة المقاومة نفسها كانت تُطرح، ولو نظريًا، كقضية وطنية عامة.

 

ومع الوقت، تغيّر المشهد تدريجيًا. لم يعد التمثيل العسكري والسياسي لفكرة المقاومة موزعًا بين قوى متعددة كما كان في مراحل سابقة، بل أصبح أكثر تمركزًا حول قوة واحدة تمتلك السلاح، والتنظيم، والحضور السياسي والاجتماعي الأوسع. هنا بدأ التحول الأكثر حساسية: انتقال المقاومة من فكرة جامعة نسبيًا إلى مشروع يرتبط في الوعي العام، داخليًا وخارجيًا، ببيئة مذهبية محددة.

 

هنا يظهر السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تنتقل قضية بحجم مواجهة إسرائيل من كونها مشروعًا وطنيًا إلى مشروع يرتبط بصورة شبه كاملة بجماعة سياسية أو مذهبية واحدة؟

 

المشكلة ليست فقط في التمثيل، بل في النتائج. فعندما تُحصر قضية بحجم مواجهة إسرائيل داخل إطار طائفي أو حزبي ضيق، يصبح أي نقد لها وكأنه نقد لطائفة كاملة، ويصبح أي استهداف لها وكأنه استهداف لجماعة بأكملها. وهكذا تضيع الحدود بين الناس والتنظيم، وبين المجتمع والقيادة، وبين الهوية والموقف السياسي.

 

وربما كان من الممكن تجنب جزء من هذا الانقسام لو كانت المقاومة أكثر شمولًا، وأكثر قدرة على إنتاج قيادة عابرة للطوائف. لأن القضايا الكبرى، حين تُحتكر، تصبح أكثر هشاشة، لا أكثر قوة.

 

لكن الأزمة لا تتوقف عند البنية الطائفية. فخلال سنوات طويلة، لم يعد الحزب الوصي على مشروع المقاومة مجرد قوة عسكرية أو تنظيم مقاوم، بل تحول تدريجيًا إلى لاعب أساسي داخل الدولة، وفي الوقت نفسه إلى بنية موازية لها. مؤسسات تعليمية وصحية واجتماعية واقتصادية وأمنية نشأت خارج الإطار الرسمي أو بالتوازي معه.

 

قد يرى البعض أن هذه المؤسسات ملأت فراغ الدولة، وهذا صحيح جزئيًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث عندما يصبح وجود المؤسسات البديلة دائمًا بدل أن يكون مؤقتًا؟ النتيجة غالبًا ليست دولة أقوى، بل دولة أضعف، وأكثر اعتمادًا على شبكات النفوذ بدل المؤسسات العامة.

 

وفي الاقتصاد تحديدًا، لا يمكن فصل سنوات الانهيار عن تراكم خيارات سياسية طويلة. فالبلد الذي كان يحتاج إلى مؤسسات مستقرة، واستثمارات، وثقة داخلية وخارجية، دخل أكثر فأكثر في منطق المحاور والصراعات المفتوحة. وأصبح الاقتصاد رهينة عدم الاستقرار، والعقوبات، والشلل السياسي، والانقسام الدائم حول أولويات الدولة.

 

لكن الانهيار الاقتصادي لم يبقَ أرقامًا ومؤشرات. تحول إلى تفاصيل يومية: رواتب فقدت قيمتها، شباب هاجروا أو ينتظرون فرصة للهجرة، مؤسسات أقفلت، وعائلات باتت تنظم حياتها على أساس الأزمات المتتالية لا على أساس المستقبل. وهنا يصبح السؤال الاقتصادي جزءًا من سؤال الحرب نفسه، لا ملفًا منفصلًا عنه.

 

والمفارقة أن كثيرين من البيئة المؤيدة للمقاومة، وحتى من المؤمنين بضرورة مواجهة إسرائيل، أصبحوا من أشد المنتقدين لأداء المقاومة الحالي. ليس لأنهم تخلوا عن فكرة المقاومة، بل لأنهم يرون أن أخطاء السياسة، والانخراط العميق في السلطة، والمشاركة في إدارة الدولة دون تحمل كامل مسؤولياتها، جعلت الفصل بين “المقاومة” كفكرة و”السلطة” كممارسة أكثر صعوبة.

 

لذلك، ربما أكثر ما يجعل هذا المشهد سورياليًا ليس الحرب وحدها، بل أن الجميع يتحدث باسم جماعته، بينما الجماعات نفسها لم تعد متفقة مع نفسها. وأن القضية التي يفترض أنها توحد اللبنانيين، أصبحت عند كثيرين سببًا إضافيًا للانقسام.

 

وربما هنا تكمن السوريالية الحقيقية: أن بلدًا عاش عقودًا من الحروب والانقسامات ما زال يناقش الأسئلة نفسها، لكن بخسائر أكبر في كل مرة. فحين تصبح الطائفة إطار تفسير جاهز لكل شيء، تتحول السياسة إلى هوية، والحرب إلى قدر، ويصبح الاختلاف داخل الجماعة الواحدة أكثر وضوحًا من الاختلاف بينها وبين غيرها.

 

وفي بلد اعتاد أن تتحول الطوائف فيه إلى خنادق، قد تكون المعضلة الحقيقية اليوم ليست فقط: من مع المقاومة ومن ضدها؟ بل: كيف تحولت قضية يفترض أنها وطنية إلى قضية يُعرَّف الناس من خلالها، بدل أن يجتمعوا حولها؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى