ثقافة

رحيل عبد العزيز مخيون أحد أعمدة الدراما المصرية: الشهيد “طه السماحي” في ذاكرة الأجيال

 

الحوارنيوز – ثقافة

شُيّعت أول من أمس جنازة الممثل المصري الكبير عبدالعزيز مخيون (1946 -2026)، من مسقط رأسه في محافظة البحيرة، بعد تدهور حالته الصحية خلال الأيام الماضية، إذ أعلنت أسرته وفاته داخل أحد مستشفيات الإسكندرية، يوم الأربعاء الماضي، حيث كان يتلقى العلاج عقب تعرضه لوعكة صحية حادة استدعت نقله إلى العناية المركزة.

برحيله، فقد المشاهد المصري والعربي أحد أهم وجوه الدراما والسينما التي عرفها لأكثر من نصف قرن، ليشكل فراغاً حقيقياً يشبه غياب الأعمدة الرخامية في المعابد القديمة، وفقد الفن العربي واحداً من أهم فرسانه النبلاء.
في دلتا مصر، ولد مخيون في شباط (فبراير) 1946، وسط الحقول حيث تشربت روحه طمي الأرض وعزة نفس الفلاح المصري. نشأة صبغت جوهر أدائه الفني بصدق فريد؛ فكانت ملامحه المنحوتة بصبر، وتجاعيد وجهه المعبرة، كأنها خريطة بصرية تختصر ملامح الإنسان العربي في مواجهة الزمن.

امتزج هذا التكوين الفطري بدراسة أكاديمية واعية في المعهد العالي للفنون المسرحية، أعقبها شغف عميق بالموسيقى والعزف على آلة الكمان؛ ما منحه إيقاعاً داخلياً نادراً، فكان يعرف بدقة متناهية في تمثيله متى ينفعل، ومتى يهمس، ومتى يترك الصمت يتحدث نيابة عن الكلمات.

ظهرت أولى خطواته السينمائية الواعدة في منتصف السبعينيات، حين شارك في أعمال لافتة مثل فيلم «الكرنك» (1975 ـ إخراج علي بدرخان ـ عن رائعة نجيب محفوظ)، ثم تعمق حضوره في رائعة المخرج يوسف شاهين «إسكندرية ليه» (1978)، تلاه فيلم «حدوتة مصرية» (1982). إلا أن المحطة السينمائية الأبرز التي حفرت اسمه بحروف من نور تجلت في فيلم «الهروب» عام 1991، تحت قيادة المخرج الواقعي عاطف الطيب.

في مواجهة أحمد زكي

في «الهروب»، قدم مخيون واحداً من أعقد الأدوار السينمائية من خلال شخصية الضابط «سالم». لم يكن الضابط هنا مجرد أداة للسلطة أو وجهاً نمطياً للقمع، بل صاغه ببراعة المشرح النفسي: إنسان ممزق بين نداء الواجب المهني الصارم وعاطفة الصداقة القديمة التي تربطه بالمطارد «منتصر»، ليصنع مع الراحل أحمد زكي ثنائية سينمائية خالدة قامت على صراع الأرواح والضمائر.

نجم في روائع الدراما

على الشاشة الصغيرة، تحول مخيون إلى رمز لضمير الأمة، وبات وجهه مألوفاً في روائع الدراما الاجتماعية، مثل مسلسل «الشهد والدموع» في جزئه الثاني (1985)، ومسلسل «وأنا وأنت وبابا في المشمش» (1989). لكن النقلة الكبرى كانت تجسيده شخصية «طه السماحي» في الملحمة الدرامية «ليالي الحلمية» عام 1987. في هذا العمل، لم يؤدِ مخيون دوراً مكتوباً على الورق، بل نفخ من روحه في شخصية الشاب المثقف، الثائر، والمنتمي إلى تراب وطنه حتى الاستشهاد.

في دور طه السماحي في مسلسل “ليالي الحلمية”

ورغم أن الشخصية غادرت الأحداث في الأجزاء الأولى، إلا أن طيف «طه السماحي» ظل يرفرف فوق بقية أجزاء العمل كرمز للنقاء الوطني والوجه الأنقى للثورة الإنسانية. وتوالت بعد ذلك إبداعاته التلفزيونية في تسعينيات القرن الماضي عبر أعمال تركت بصمة مهمة في الذاكرة مثل «بوابة الحلواني» (1992)، و«خالتي صفية والدير» (1995)، و«زيزينيا» (1997).

صوت الكمان

ولأن تكوين مخيون الموسيقي كان أصيلاً، فقد بدا الخيار الحتمي والأكثر عبقرية لتجسيد شخصية «موسيقار الأجيال» محمد عبدالوهاب في مسلسل «أم كلثوم» (1999). دور اختبر فيه قدرته مجدداً بعدما قدم الشخصية ذاتها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي في مسلسل «أمير الشعراء أحمد شوقي». في هذه المحطة، تجاوز مخيون فخ التقليد الشكلي الخارجي، ليقدم أعماق الشخصية وكبرياء الفنان، وصرامته الإبداعية، وطريقته الفريدة في تذوق المقامات الموسيقية، مما جعل أداءه مرجعاً يدرس في كيفية إحياء الشخصيات التاريخية.

في دور محمد عبد الوهاب

وامتدت هذه القدرة التحليلية العالية لتشمل تجسيده دور حسن الهضيبي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان في مسلسل «الجماعة» (2010)، حيث قدم قراءة سياسية ونفسية معقدة للشخصية، تلاها أداء مبهر في مسلسل «بدون ذكر أسماء» (2013)، ومشاركته المميزة في المسلسلات التاريخية الضخمة مثل مسلسل «عمر» عام 2012.

حسن الهضيبي في مسلل “الجماعة 2”

خارج البلاتوهات

خارج حدود البلاتوهات، عاش عبدالعزيز مخيون حياة تشبه الفن الذي يقدمه. حياة تقوم على الزهد والترفع، فلم تكن تستهويه أضواء المهرجانات، وكانت عزلته النبيلة وسط كتبه وموسيقاه وسيناريوهاته المنتقاة بمثابة صومعة فكرية. ظل كفنان متصوف، وأبى إلا أن يودع جمهوره، مشاركاً في موسم دراما رمضان 2026 بمسلسلي «إفراج» و«سوا سوا».
اليوم، ونحن نكتب سطور الوداع الأخير، ندرك أننا لا ننعى ممثلاً غيّبه الموت، بل نحتفي بمسيرة رجل اختار الطريق الأصعب، ونفخ في كل دور من روحه.

رحل عبدالعزيز مخيون، لكن صوته الهادئ الواثق، وملامحه التي تشبه هذه الأرض، ستبقى حية في ذاكرة الفن العربي، كوثيقة ونقش فرعوني يقول للجميع إن الإبداع الحقيقي يمكث في الأرض.

(عن صحيفة الأخبار)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى