مائة عام من البحث عن وطن :حين وُلدت الدولة… وبقي الوطن مؤجلًا (زينب اسماعيل)

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز
في الأول من أيلول عام 1920، وقف الجنرال الفرنسي هنري غورو في قصر الصنوبر في بيروت، معلنًا قيام «دولة لبنان الكبير».
في تلك اللحظة، وُلد كيان سياسي جديد على خريطة المشرق؛ كيان بحدود لم تكن هي نفسها حدود المتصرفية، ولا حدود الولايات العثمانية التي سبقته، وبتركيبة سكانية ودينية وثقافية شديدة التعقيد.
بالنسبة إلى فريق من اللبنانيين، كان ذلك اليوم تحقيقًا لحلم طال انتظاره؛ دولة تمنحهم مساحة من الحرية والاستقرار وتحمي خصوصيتهم في منطقة كانت تعصف بها التحولات الكبرى.
أما بالنسبة إلى آخرين، فلم يكن الأمر بهذه البساطة. فقد رأوا في الدولة الجديدة مشروعًا لم يشاركوا جميعًا في صياغته، وحدودًا لم تكن بالضرورة انعكاسًا لتصورهم عن المكان الذي يريدون أن يعيشوا فيه، أو عن علاقتهم بمحيطهم العربي.
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة لبنان.
لكنها لم تكن رحلة بناء مؤسسات ودستور وبرلمان وإدارات عامة فحسب. كانت، في جوهرها، رحلة البحث عن معنى الوطن نفسه.
وربما هنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى: لقد نجحنا في بناء دولة، بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل، لكننا لم ننجح بعد في بناء اتفاق كامل على الوطن.
قد تبدو هذه الفكرة قاسية بعد أكثر من قرن على إعلان لبنان الكبير، وقد يعتبرها البعض ظلمًا لتاريخ طويل من التجارب الوطنية والإنجازات والتضحيات والعيش المشترك.
لكن ماذا لو كان السؤال الذي يطارد لبنان منذ تأسيسه لم يُطرح بصراحة كافية؟
هل اتفق اللبنانيون أصلًا على معنى لبنان؟
ليس على اسمه وحدوده فقط، بل على دوره وهويته وعلاقته بمحيطه، وعلى معنى سيادته، وعلى من يملك قرار الحرب والسلم، وعلى حدود انتمائه العربي، وعلى شكل الدولة التي يريدها أبناؤه.
هذا السؤال، في رأيي، أكثر عمقًا من السؤال التقليدي: لماذا فشل النظام الطائفي؟
لأن الطائفية ليست وحدها أصل المشكلة. إنها، في جانب كبير منها، نتيجة لعجز اللبنانيين عن إنتاج هوية وطنية مشتركة تطمئن إليها الجماعات المختلفة.
فالطوائف في لبنان لم تكن مجرد جماعات دينية تعيش داخل دولة واحدة. كانت، في مراحل كثيرة من التاريخ، جماعات تحمل تصورات مختلفة عن الخوف والأمان، وعن الداخل والخارج، وعن معنى الدولة، وعن طبيعة العلاقة مع المنطقة.
ولهذا لم يكن الخلاف اللبناني يومًا مجرد خلاف على عدد النواب أو توزيع الوزارات. كان الخلاف، في كثير من الأحيان، على السؤال الأعمق:
أي لبنان نريد؟
دولة واحدة… ولبنانات متعددة
ربما كان لبنان، منذ ولادته، أكثر من بلد واحد في مخيلة أبنائه.
لبنان الذي يراه ابن الجنوب ليس بالضرورة لبنان الذي يراه ابن الشمال. ولبنان الذي تشكلت ذاكرته في جبل لبنان قد لا يكون هو نفسه لبنان الذي تشكلت ذاكرته في البقاع أو طرابلس أو بيروت.
ولبنان الذي يراه المسيحي كمساحة لحماية خصوصيته ووجوده، قد يختلف عن لبنان الذي يراه المسلم كجزء طبيعي من محيط عربي أوسع.
ولبنان الذي يعتبر إسرائيل الخطر الوجودي الأول، يختلف عن لبنان الذي يرى أن الخطر الأكبر هو أن تبقى الدولة عاجزة عن احتكار قرار الحرب والسلم.
ولبنان الذي يرى في المقاومة ضرورة لحماية البلد، قد يكون بالنسبة إلى لبناني آخر عنوانًا لاستمرار ازدواجية السلطة والسلاح.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتصرف وكأن هذه التصورات المختلفة غير موجودة.
فنحن لا نختلف فقط على الوسائل. نختلف أحيانًا على تعريف الغاية نفسها.
هل لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه؟ أم جزء من فضاء عربي أوسع؟
وهل انتماؤه العربي ثقافي وحضاري فقط، أم سياسي أيضًا؟
هل هو بلد الحياد؟ أم أن موقعه الجغرافي وتاريخه يجعلان الحياد الكامل أقرب إلى الحلم منه إلى السياسة الواقعية؟
هل السيادة تعني فقط أن تكون الحدود مرسومة وأن يكون للدولة جيش؟ أم أن السيادة تعني أيضًا أن يكون للدولة وحدها القرار النهائي في الحرب والسلم؟
وهل يمكن لدولة صغيرة، محاطة بصراعات إقليمية كبرى، أن تنأى بنفسها عنها فعلًا؟ أم أن المشكلة ليست في الحياد نفسه، بل في أن اللبنانيين لم يتفقوا على الشروط التي تجعل هذا الحياد ممكنًا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا. إنها أصل معظم الأزمات التي عاشها لبنان.
الميثاق الوطني: اتفاق على التوازن لا على الهوية
عندما جاء الميثاق الوطني، نجح اللبنانيون في الوصول إلى صيغة سياسية سمحت لهم بإدارة اختلافاتهم. لكنه لم يكن، وربما لم يكن قادرًا وحده على أن يكون، اتفاقًا نهائيًا على تعريف الوطن.
كان، إلى حد كبير، اتفاقًا على كيفية العيش معًا. وهذا فرق جوهري.
فالتسوية السياسية تستطيع أن تمنع الانفجار، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع ذاكرة وطنية مشتركة.
يمكنك أن توزع المناصب، وأن تحدد الصلاحيات، وأن تنظم الرئاسات والتمثيل النيابي، لكن لا يمكنك بمرسوم أن تجعل جميع المواطنين يتذكرون التاريخ نفسه بالطريقة نفسها.
وهنا واحدة من أعقد مشكلات لبنان: دخلت الجماعات المختلفة إلى الدولة وهي تحمل معها ذاكرتها الخاصة؛ ذاكرة المجازر، والخوف، والتهميش، والانتصار، والهزيمة، والاحتلال، والمقاومة.
ولأن لبنان لم يمتلك مشروعًا حقيقيًا لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، بقي الماضي حاضرًا في السياسة.
نحن لا نتحدث عن التاريخ كما لو أنه انتهى. نحن نعيش داخله.
الحرب الأهلية التي انتهت… ولم تنتهِ تمامًا
ثم جاءت الحرب الأهلية.
خمسة عشر عامًا من الدم والتهجير والانقسام والانهيار.
انتهت الحرب عسكريًا وسياسيًا، لكن هل انتهت فعلًا في الوعي اللبناني؟
هنا يجب أن نكون أكثر شجاعة.
ربما انتهت الحرب كمعارك، لكنها لم تنتهِ بالكامل كذاكرة.
لم يجلس اللبنانيون بعد الحرب أمام تاريخهم المشترك ليقولوا: هذا ما حدث. هذا ما أخطأنا فيه. هذه مسؤولية هذا الطرف، وهذه مسؤولية ذاك الطرف. وهذه هي الضحايا التي لا يجوز أن تتحول إلى أرقام في كتب التاريخ.
بدلًا من ذلك، دخلنا في تسوية سياسية ضرورية لإيقاف النزيف، لكننا تركنا الكثير من الأسئلة معلقة.
ولذلك بقي لكل طائفة تقريبًا تفسيرها للحرب. وكل طرف يمتلك روايته الخاصة عن من بدأ، ومن دافع، ومن خان، ومن انتصر، ومن خسر.
وعندما لا يتفق المجتمع على ذاكرته، يصبح من السهل أن يعيد إنتاج مخاوفه.
اتفاق الطائف… أوقف الحرب لكنه لم ينهِ أزمة الوطن
كان اتفاق الطائف محطة تاريخية أساسية. أنهى الحرب، وأعاد تنظيم التوازنات السياسية والدستورية، وأعاد تعريف الكثير من العلاقات داخل النظام اللبناني.
لكن الطائف لم يكن قادرًا وحده على حل المشكلة الأعمق، لأنه عالج، إلى حد كبير، كيف نحكم معًا أكثر مما أجاب عن سؤال ماذا نريد أن يكون لبنان؟
ولهذا بقيت بعض الأسئلة معلقة:
من يملك السلاح؟
من يقرر الحرب؟
ما حدود العلاقة مع سوريا؟
ما حدود العلاقة مع الغرب؟
ما موقع لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي؟
هل الدولة هي المرجعية النهائية؟
وماذا يحدث عندما تتعارض قرارات الدولة مع قرارات قوة سياسية أو عسكرية أكبر منها؟
هذه الأسئلة لم تختفِ. كانت تنتظر كل مرة أزمة جديدة كي تعود إلى الواجهة.
لبنان الذي لا يستطيع أن يعيش خارج المنطقة
ربما أخطأنا أيضًا عندما تعاملنا مع لبنان أحيانًا وكأنه يستطيع أن يعيش بمعزل عن محيطه.
لبنان ليس جزيرة. جغرافيته لا تسمح له بذلك، وتاريخه لا يسمح له بذلك، وتركيبته السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تسمح له بذلك.
لكنه، في الوقت نفسه، ليس مجرد ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
وهنا تقع المعادلة الأصعب:
كيف يكون لبنان جزءًا من محيطه، من دون أن يتحول إلى ساحة لمشاريع المحيط؟
كيف يحافظ على علاقاته العربية، من دون أن يصبح تابعًا لهذا المحور أو ذاك؟
كيف يحمي نفسه من إسرائيل، من دون أن يفقد قراره الوطني؟
وكيف يمتلك قوة ردع حقيقية، من دون أن تصبح الدولة نفسها الطرف الأضعف في معادلة يفترض أن تكون هي المرجعية فيها؟
هذه ليست أسئلة سهلة.
لكن صعوبة السؤال لا تعني أن نتوقف عن طرحه.
المقاومة والسيادة… حين يتحول الخلاف إلى سؤال وجود
من أكثر الملفات التي تكشف عمق الأزمة اللبنانية مسألة المقاومة والسلاح.
هناك لبنانيون يرون في المقاومة جزءًا أساسيًا من تاريخ حماية لبنان ومواجهة إسرائيل. وهناك لبنانيون يرون أن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة يعني أن الدولة نفسها لم تكتمل سيادتها.
وكلا الفريقين ينطلق من خوف حقيقي: الخوف من إسرائيل من جهة، والخوف من دولة عاجزة عن اتخاذ قرارها بنفسها من جهة أخرى.
والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود أحد الخوفين.
المشكلة عندما نطلب من اللبناني أن يلغي خوفه كي نثبت صحة خوفنا.
ربما يحتاج لبنان إلى صيغة جديدة لا تبدأ من سؤال: مع المقاومة أم ضدها؟
بل من سؤال آخر:
كيف تتحول كل عناصر القوة في لبنان إلى قوة للدولة، وكيف يصبح قرار الدفاع عن لبنان قرارًا وطنيًا جامعًا؟
هذا السؤال أصعب بكثير.
لكنه ربما أكثر فائدة.
السيادة ليست شعارًا
لطالما تحدثنا عن السيادة.
لكن السيادة في لبنان تحولت أحيانًا إلى شعار يرفعه كل طرف ضد الطرف الآخر.
بينما السيادة، في جوهرها، ليست خطابًا سياسيًا.
السيادة تعني أن الدولة هي المرجعية النهائية.
تعني أن المواطن لا يحتاج إلى حماية طائفته قبل أن يحتمي بالقانون.
تعني أن قرار الحرب والسلم لا يحتاج إلى تفاهمات خارج مؤسسات الدولة.
وتعني أيضًا أن الدولة قادرة فعلًا على حماية حدودها وشعبها.
فالسيادة ليست أن نقول إن الدولة قوية.
السيادة أن تكون الدولة قوية بما يكفي كي لا يحتاج المواطن إلى البحث عن دولة أخرى، أو حزب آخر، أو طائفة أخرى، أو قوة أخرى لتحميه.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة:
عندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، تصبح الطائفة بديلًا طبيعيًا عنها.
وعندما تصبح الطائفة مصدر الأمان، يصبح إضعاف الطائفية شعارًا بلا معنى.
لأنك لا تستطيع أن تطلب من إنسان التخلي عن الجماعة التي يشعر أنها تحميه، قبل أن تقدم له دولة يثق بأنها قادرة على حمايته.
المشكلة ليست أن اللبنانيين طائفيون فقط
من السهل جدًا أن نقول إن اللبنانيين طائفيون.
لكن هذا التفسير وحده لا يكفي.
فالطائفية في لبنان ليست مجرد تعصب ديني. إنها، في أحيان كثيرة، نظام أمان اجتماعي وسياسي. هي شبكة علاقات، وذاكرة، وضمانة في مواجهة المجهول، ووسيلة للوصول إلى الدولة عندما تكون الدولة نفسها غير قادرة على الوصول إلى المواطن.
لهذا، فإن إلغاء الطائفية من النصوص لن يلغيها من النفوس.
وإلغاء الطائفية السياسية لا يمكن أن يكون مجرد قرار دستوري.
يجب أن تسبقه دولة عادلة، وقضاء مستقل، ومؤسسات فعالة، واقتصاد منتج، وتعليم وطني، وقبل كل شيء، شعور بأن القانون واحد للجميع.
عندها فقط يمكن أن يصبح الانتقال من الطائفية إلى المواطنة انتقالًا حقيقيًا، لا مجرد تغيير في أسماء المؤسسات.
الاقتصاد أيضًا جزء من أزمة الوطن
ربما نخطئ عندما نفصل الانهيار الاقتصادي عن أزمة الدولة.
فالاقتصاد ليس مجرد أرقام.
عندما ينهار النظام المصرفي، وتضيع مدخرات الناس، وتنهار العملة، وتصبح الدولة عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات، فإن المواطن لا يخسر ماله فقط.
يخسر ثقته بالدولة.
وعندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، يعود أكثر فأكثر إلى شبكاته الخاصة: العائلة، والطائفة، والحزب، والمغترب، والعلاقات الشخصية.
وهكذا تصبح الدولة أقل حضورًا، والجماعات أكثر حضورًا.
ثم نسأل لماذا تزداد الطائفية، كأننا لم نفهم أن الدولة عندما تنسحب من حياة المواطن لا تترك فراغًا.
هناك دائمًا من يملأ الفراغ.
مئة عام من التسويات
إذا نظرنا إلى تاريخ لبنان، سنجد أننا بارعون جدًا في إنتاج التسويات، لكننا أقل براعة في إنتاج الحلول.
كل أزمة تنتهي بتسوية. وكل تسوية تؤجل أزمة جديدة.
نختلف، ثم نتفاوض.
نتقاتل، ثم نتفق.
ننهار، ثم نبحث عن صيغة مؤقتة.
ننتظر الخارج، ثم نغضب لأن الخارج تدخل.
نطالب بالدولة، ثم نضعفها عندما لا تعجبنا قراراتها.
نطالب بالسيادة، ثم نبحث عن حماية خارج الحدود عندما نشعر أن الدولة عاجزة.
نطالب بالمواطنة، ثم نعود إلى الطائفة عند أول خوف.
ربما هذه هي الدائرة التي عاش فيها لبنان طوال قرن:
الخوف، ثم الطائفة، ثم الدولة الضعيفة، ثم التدخل الخارجي، ثم الأزمة، ثم التسوية، ثم العودة إلى الخوف.
من انتصر في لبنان؟
السؤال الذي يُطرح نفسه بعد كل حرب أو أزمة هو: من انتصر؟
لكن ربما يكون السؤال الخاطئ.
لأن لبنان، في معظم أزماته الكبرى، لم يكن أمام معادلة انتصار كامل لطرف وهزيمة كاملة لطرف آخر.
كان الجميع يخرجون من المعركة وهم يحملون جزءًا من الانتصار وجزءًا من الخسارة.
لكن لبنان نفسه كان يخسر.
خسر بنية تحتية.
خسر اقتصادًا.
خسر شبابًا.
خسر ثقة.
خسر سنوات من عمره.
وخسر شيئًا أخطر من كل ذلك: خسر جزءًا من الإيمان بأن الدولة يمكن أن تكون وطنًا للجميع.
ولهذا ربما يجب أن نتوقف عن سؤال: من انتصر؟
ونسأل بدلًا منه:
ماذا بقي من لبنان؟
الوطن ليس حدودًا
ربما آن الأوان لنفهم أن الوطن ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة.
الوطن هو الاتفاق على أن هذه الحدود تخصنا جميعًا، وأن هذه الدولة تحمينا جميعًا، وأن القانون لا يسأل المواطن، قبل أن يحميه، عن طائفته.
الوطن هو أن يصبح دم الجنوبي ليس أغلى ولا أرخص من دم البيروتي.
وأن يكون خوف المسيحي مشروعًا بقدر خوف المسلم، وخوف المسلم مشروعًا بقدر خوف المسيحي.
وأن من يختلف معنا سياسيًا لا يصبح عدوًا للوطن.
الوطن هو أن يصبح اختلافنا السياسي أقل أهمية من اتفاقنا على الدولة.
وهذا تحديدًا ما لم ننجح في الوصول إليه حتى الآن.
ربما لم تكن المشكلة في لبنان نفسه
وهنا أريد أن أطرح فكرة قد تبدو غريبة:
ربما لم تكن مشكلة لبنان أنه بلد مستحيل.
ربما كانت مشكلته أن اللبنانيين حاولوا بناء الدولة قبل أن يحسموا في ما بينهم معنى الوطن.
أنشأنا المؤسسات قبل أن نبني الثقة.
كتبنا الدساتير قبل أن نبني ذاكرة مشتركة.
وزعنا السلطة قبل أن نتفق على المرجعية.
وتحدثنا عن السيادة قبل أن نتفق على من يملك قرارها.
وتحدثنا عن المواطنة قبل أن نجعل المواطن يشعر أن الدولة أقوى من طائفته.
ولهذا بقيت الدولة اللبنانية موجودة، لكنها لم تصبح دائمًا المرجعية الأولى في وجدان أبنائها.
وهذه ربما هي المأساة الحقيقية.
فهل فات الأوان؟
بعد أكثر من قرن، قد يبدو السؤال ساذجًا:
هل يمكن للبنان أن يبدأ من جديد؟
أنا لا أعتقد أن لبنان يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر.
بل يحتاج إلى أن يعترف بما فشل فيه، وأن يتوقف عن إعادة إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
أن يعترف بأن لا طائفة تستطيع إلغاء الأخرى.
ولا حزب يستطيع اختصار الوطن.
ولا محور إقليمي يستطيع أن يكون بديلًا دائمًا عن الدولة.
ولا دستور يستطيع وحده أن يصنع مواطنًا.
ولا قانون انتخاب يستطيع وحده أن يصنع وطنًا.
ولا شعار عن السيادة يكفي إذا كانت الدولة عاجزة.
ولا شعار عن المقاومة يكفي إذا لم يكن هناك مشروع وطني جامع.
ولا شعار عن الحياد يكفي إذا لم تتوافر شروطه.
ولا شعار عن العروبة يكفي إذا بقيت الدولة عاجزة عن تحديد مصالحها.
لبنان يحتاج، قبل كل شيء، إلى عقد وطني جديد.
ليس بالضرورة عقدًا دستوريًا جديدًا، بل عقدًا في الوعي.
اتفاقًا على أن لبنان وطن نهائي، وأن اختلافنا في تعريف السياسة لا يعني اختلافنا في تعريف الوطن.
أن الدولة ليست خصمًا لأي طائفة، وأن قوة الدولة ليست هزيمة لجماعة.
وأن احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم لا يعني التخلي عن الدفاع عن لبنان، بل يعني تحويل الدفاع عنه إلى مسؤولية وطنية جامعة.
وأن العدالة لا تعني أن ينتصر طرف على طرف، بل أن يشعر الجميع بأن لا أحد فوق القانون.
مئة عام أخرى؟
قد نكون أمام لحظة تاريخية جديدة، لكن الخطر أن نكرر الخطأ نفسه.
أن نبحث عن صيغة جديدة لتوزيع السلطة، من دون أن نسأل عن معنى السلطة.
أن نعيد تقسيم الحصص، فيما ينهار الاقتصاد.
أن نغير الوجوه، فيما تبقى البنية نفسها.
أن نبحث عن رئيس جديد، وحكومة جديدة، وقانون انتخاب جديد، ثم نكتشف بعد سنوات أننا عدنا إلى السؤال نفسه:
أي لبنان نريد؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة الأخرى.
لأننا إذا لم نتفق على لبنان الذي نريده، فلن تنقذنا أفضل القوانين.
وإذا لم نتفق على أن الدولة هي بيتنا جميعًا، فستبقى كل طائفة تبحث عن بيت آخر داخل البيت.
وإذا لم ننجح في تحويل الخوف من الآخر إلى ثقة بالدولة، فستبقى الطائفية أقوى من كل الشعارات التي تُرفع ضدها.
في النهاية…
منذ الأول من أيلول عام 1920، ونحن نحتفل بقيام دولة لبنان الكبير.
لكن السؤال الذي يستحق أن نحتفل يومًا بالإجابة عنه هو:
متى يصبح لبنان وطنًا كبيرًا في وجدان أبنائه؟
أكثر من قرن مرّ.
تغيرت الحدود السياسية. تغيرت الأنظمة. تغيرت التحالفات. سقطت إمبراطوريات. جاءت جيوش وخرجت جيوش. اندلعت حروب وانتهت حروب. اغتيل رؤساء وشخصيات. انهارت حكومات. تغيرت قوانين وانتخابات. ازدهر الاقتصاد ثم انهار. هاجر الملايين.
وبقي السؤال نفسه.
ربما لم تكن مأساة لبنان أنه لم يجد وطنًا.
ربما كانت مأساته أنه ظل يبحث عن الوطن في المكان الخطأ.
بحث عنه في الطائفة، وفي الزعيم، وفي الخارج، وفي السلاح، وفي الدستور، وفي اتفاقات الآخرين، وفي التسويات المؤقتة.
بينما كان الوطن الذي نبحث عنه، ربما، أبسط من كل ذلك:
دولة يشعر فيها اللبناني أنه لا يحتاج إلى أحد كي يكون مواطنًا كاملًا.
دولة لا تسأله من أين أتى قبل أن تحميه، ولا تطلب منه أن يختار بين هويته الوطنية وهويته الثقافية.
دولة يكون فيها الاختلاف طبيعيًا، والخوف من الآخر استثناءً، والقانون هو المرجعية الأولى والأخيرة.
ذلك الوطن لم يولد بعد بشكل كامل.
لكن هذا لا يعني أنه مستحيل.
فربما يكون لبنان، بعد أكثر من قرن من البحث، أمام فرصة أخيرة لطرح السؤال الذي تأخرنا كثيرًا في طرحه:
هل نستطيع أخيرًا أن نتفق على وطن… قبل أن نتفق على كيفية حكمه؟
فالدولة يمكن أن تُعلن في يوم واحد.
أما الوطن، فلا يولد بمرسوم.
الوطن يُبنى عندما يصبح الجميع مستعدين لأن يخسروا جزءًا من خوفهم، كي يربحوا جميعًا شيئًا اسمه لبنان.



