كيف أسقطت إيران عقيدة “قطع الرأس” الأميركية ؟( احمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
بقدر ما هي ملفات السياسة الأمريكية الخارجية في العالم كثيرة ومعقدة، بقدر ما هي بسيطة وسهلة، وقد يكون ذلك مفاجئًا، لكن أمريكا تعتمد على هيمنتها وسطوتها وقوتها العسكرية في سبيل خضوع العالم لها وعدم معارضته لسياساتها، إذ إن أساليب أمريكا في التعاطي مع الرؤساء والدول أصبحت معروفة، وهي تكرر نفس الأسلوب مرارًا وفي دول مختلفة، وتتوقع تحقيق نتائج تخدم مصالحها.
لعل واحدًا من أهم أساليب سيطرة أمريكا على الدول هو جعل الحاكم تابعًا لها أو شريكًا – كما يحلو لها أن تُسمّيه – سواء كان هذا الحاكم رئيسًا للجمهورية أو رئيسًا للوزراء، وذلك نسبة لطبيعة نظام الحكم في الدولة المستهدفة. وقد يتحقق ذلك من خلال العملية الديمقراطية الانتخابية، سواء تمت بالطريقة السليمة أو عبر تزوير الانتخابات كما يحدث في كثير من بلدان العالم.
وقد يحدث أن الرئيس يُعارض الهيمنة الأمريكية فيُصار إلى تجهيز الظروف المناسبة للثورة الشعبية عليه كما حصل في ثورات الربيع العربي، أو الثورات الملونة في العالم، فيُمسك بالسلطة من هو تابع للسياسة الأمريكية، وبالتالي تدور الدولة برمتها في الفلك الأمريكي. وقد يحدث أن الأمور لا تسير كما تشتهي أمريكا بسبب قوة الرئيس، فتلجأ إلى الانقلاب العسكري إذا كانت قيادة الجيش موالية لها، ويتم تعيين أو انتخاب رئيس موالٍ. لكن في بعض الحالات يكون الرئيس وقائد الجيش مناهضين للهيمنة الأمريكية، هنا تلجأ المخابرات الأمريكية إلى ربائبها الذين دسّتهم في حضن الرئيس أو قيادة الجيش من دون معرفتهم بذلك.
هؤلاء الأشخاص ترعاهم المخابرات الأمريكية في كل الحالات السابقة، أي أنها حتى لو كانت الدولة بكل أركانها موالية لها، فإن أجهزة المخابرات تنتخب أشخاصًا موالين لها، تعمل على تعزيز مواقعهم في مفاصل الدولة تحسبًا لأي طارئ قد يحدث. وقد يتخذ هؤلاء مواقف ضد الدولة ليبدو كأنهم معارضون لها، فيما هم يخدمون بذلك المشاريع الأمريكية، ويطمعون بالوصول إلى أعلى مراتب السلطة عندما يحين موعد استخدامهم من قبل أسيادهم الأمريكيين.
أما في حال كان نظام الحكم ملكيًا أو أميريًا فإن ذلك يُسهّل على المخابرات الأمريكية عملية الاختيار، فيكفي تبني أحد أولاد الملوك أو الأمراء أو أحد أقاربه وتأهيله ليكون حاكمًا عندما يحين موعده، أو حين يحيد الملك أو الأمير عن السياسة المرسومة له ولو قليلًا، أو عندما تحترق أوراقه أمام الشعب فيتم استبداله بحيث يبدو ذلك طبيعيًا ومن دون جلبة سياسية في البلد، ولقد حدث ذلك في كثير من دول العالم.
هذه هي السياسة الأمريكية في التعاطي مع الدول ورؤسائها وقادة جيوشها، دائمًا تجهز بديلًا أو بدائل في كل مكان تتوقع أو لا تتوقع فيه طروء حالات تُجبرها على التغيير. وإيران ليست استثناءً عن ذلك، فمنذ حوالي نصف قرن والسياسة الأمريكية في إيران تسعى إلى إيجاد بدائل، سواء لرأس النظام وهو الولي الفقيه، أو لرئيس الجمهورية، أو للعديد من مراكز القوة فيها. وما زلنا نذكر ما حصل مع نائب الولي الفقيه الشيخ حسين منتظري، عندما تمّ عزله لخروقات مخابراتية أمريكية في الحاشية من حوله، إذا لم نقل في شخصه ولو من غير قصد.
كذلك فقد حاولت أمريكا دومًا الاستثمار في قيادات المعارضة الإيرانية، وكثيرًا ما أظهرت الود والتعاطف لبعضهم، لكن لم يظهر أن العلاقة قد استقرت بينهم، فهي لا تنسى أنهم تلاميذ الإمام الخميني، وقد كانوا من قادة الثورة لسنوات طويلة، فهي لا تأمن جانبهم، وإن كانت تؤيد معارضتهم للنظام القائم، وتتمنى وصولهم للحكم لأنها استطاعت اختراق بعض تشكيلاتهم بعملاء لها يتسترون تحت عباءتهم. وهم من جهتهم ينظرون بريبة إلى أمريكا ومخابراتها، وقد خبروا مكرها ودهاءها وخيانتها لشركائها وعملائها وأصحابها – إذا كانت تعتبرهم أصحابًا – وبعد عشرات المحاولات الفاشلة لإيصال أحد شركائها إلى موقع مهم داخل التركيبة الإيرانية، وصلت إلى طريق مسدود، ولم يعد أمامها إلا خيار تصفية القادة الإيرانيين واحدًا تلو الآخر علّ ذلك يُضعف النظام، ويُحدث ثورة شعبية، ينبثق منها أشخاص ترعاهم أمريكا ليكونوا عملاء وأوصياء لها في حكم إيران.
إن منظومة الحكم في إيران مركبة ومعقدة بحيث تكون عصية على الانكسار. فعسكريًا يوجد إلى جانب الجيش بكل تشكيلاته، منظومة الحرس الثوري، وإلى جانبه منظومة الباسيج، ما يعني أنه حتى لو اخترقت المخابرات الأمريكية قيادة الجيش، فليس من السهل تنفيذ انقلاب أو الاستفراد بالمنظومة العسكرية الكلية. وفي المنظومة السياسية، فعدا عن رئيس الجمهورية، ومجلس الشورى (البرلمان)، هناك مجلس صيانة الدستور، ومجلس الخبراء، ومجلس الأمن القومي، ومجلس تشخيص مصلحة النظام وغيرهم، ما يعني أن هناك المئات، إن لم نقل الآلاف، الذين لهم خبرة في مجال القيادة والإشراف السياسي، وأغلب هؤلاء هم من علماء الدين المجتهدين، هذا عدا عن العشرات من آيات الله، وهم من المراجع الذين لهم حضورهم وتأثيرهم بين الناس. لذا؛ فإن الاختراق المخابراتي بمعنى إيجاد عملاء وشركاء تابعين ومنفذين لسياسات أمريكا صعب للغاية، وحتى مع وجود البعض مهما بلغ عددهم، فإن تأثيرهم يبقى ضعيفًا، وإمكانية تسلّمهم مراكز حساسة في النظام شبه معدومة، خصوصًا أن المراكز الحساسة والمقرِّرة في الدولة لا يتسلمها أشخاص إلا بعد مرورهم بقنوات تصفية واختبار عديدة، وحتى لو حصل فبالمجمل لا يمكنهم التأثير على نظام الحكم عدا عن الانقلاب عليه.
في عدوان حزيران الماضي، كان توقّع المخابرات الأمريكية والصهيونية أن الشعب سيثور على النظام عند أول فرصة تلوح له، فهو يعترض على الوضع الاقتصادي المتردي، وما زالت التظاهرات التي حصلت بعد واقعة مهسا أميني حاضرة في مخيلة الشعب. لذا؛ كان العدوان مركزًا على توجيه ضربة للدولة كبنيان، لعلّها تهتز وتسقط تحت ضربات الناس، فلم نشهد اغتيالات كثيرة لشخصيات قيادية في الدولة والحرس، ولربما اقتصر الأمر على القائد العام للحرس الثوري اللواء حسين سلامي، واللواء محمد باقري رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والهدف إيصال رسالة للشارع بأن أعلى قيادة عسكرية في البلاد قد سقطت. لكن الحرب أدت إلى عكس المرتجى، فلم يخرج الشعب ضد الدولة، واستطاعت إيران تخطّي تلك الحرب بأقل الخسائر، والكثير من روح الانتصار والمقاومة.
هذا ما حدا بالمخابرات الأمريكية والصهيونية إلى دمج مجموعة أساليب مع بعضها البعض، علّها تؤتي أكلها هذه المرة. ففي عدوان شهر رمضان الماضي تمّ اعتماد أسلوب الاغتيال الذي يتبناه الموساد الصهيوني بشكل أساسي، فيما تبنت المخابرات الأمريكية إضافة إلى ذلك أساليبها الدائمة في إحداث الثورات الداخلية والملونة، مضافًا إلى أسلوب استخدام مجموعات قومية لإحداث شرخ عميق في الدولة.
ولسنا بصدد تحليل وقائع الحرب، إلا أننا نُشير إلى أن أسلوب الاغتيال في إيران كان الأعنف في تاريخ الاغتيالات في العالم، فلأول مرة تم السعي للقضاء على الصف الأول والثاني والثالث من قيادات النظام، بدءًا من أعلى سلطة فيه وهو الولي الفقيه. كل ذلك سعيًا لتصدي مجموعة قيادات قد تكون المخابرات الأمريكية والصهيونية قد وصلت إلى مرحلة تجنيدهم والتعامل معهم، أو وصول قيادات تهتز أمام حجم ما رأته، فتُسلّم بالواقع، وتتنازل أمام ضغط أمريكا والصهيونية.
لكن ما حدث أن هذه الاغتيالات ما لبث أن زال مفعولها بعد ساعات من العدوان، فأعاد النظام تشكيل منظومته السياسية والعسكرية والدينية، وملأ الفراغات التي حصلت بسرعة استثنائية. بالتأكيد لو حدث هذا الأمر في أي دولة في العالم لسقط النظام من هذه الضربة فقط، لكن متانة الهيكل العسكري والسياسي والديني جعلت من الصعب على أي قيادة النفوذ إلى تشكيل النظام الأساسي، فبقيت مواقف قادة النظام كما هي، بل ازدادت صلابة ومنعة وقوة.
طبعًا تكاتف الشعب، والتفافه حول قياداته الباقية والجديدة، وإظهاره التأييد للقيادة الجديدة، وعدم اغتراره بدعاوى ترامب ونتنياهو للقيام ضد النظام، والاستيلاء على مراكز قوى الأمن والجيش، وتراجع الأكراد عن تنفيذ ما طُلب منهم في اللحظات الأخيرة، كل ذلك قد أدى إلى فشل المخططات الأمريكية والصهيونية على إيران. لكن الأساس في ذلك أن عقيدة الاغتيال التي نفذتها أمريكا في العديد من بلدان العالم قد سقطت أمام النموذج الإيراني في الحكم، كما سقطت كل مشاريعها السابقة.



