ثقافة

الموت وتأثيره على تراجع الفكر الماركسي!


 

 
أسباب لا تحصى لتراجع الفكر الماركسي. في هذه المقالة سأكتفي بمناقشة جزء من الشق النفسي المواكب للإنكفاء الشعبي عن فكر الشيوعيين وللتمدد الفكر الديني جماهيريا.
حاول الشيوعيون بفلسفتهم أن يعالجوا قلق الموت الفطري والمكتسب بالمنطق العلمي الانساني عبر ترسيخ فكرة الواقع المادي لحدث موت الانسان كعملية  بيولوجية تبدأ وتنتهي الى العدم او الى المجهول ، كأن الموت هنا هزيمة لفرد وانتهاء لمشروع ولحلم فرد وانتهاء لتلقي المعلومات عن الدنيا وغياب لحضور فرد في واقع موجود وملموس ،اي هو غياب و اندثار ابدي بعد تدمير ذاتي او تدمير عبر الآخر للنفس، تاركا الانسان احبابه وتاركا ايضا اعداءه الذين لم يقدر ان يثأر منهم وتاركا شعوره بالمظلومية ضد  ظالمين لم يقدر على الاحتجاج ضدهم او مقارعتهم. الموت هنا هزيمة معلنة ونهائية لمشوار انسان في الحياة ، هذا الكلام ولو أعتقده كثيرون نظريا لسلامة التحليل العلمي  فإنه لا يُطمئن نفساً خائفة ومضطربة وحائرة ومترددة بشأن حالها الدنيوية ولمصيرها بعد الموت .
النفس الانسانية تطمح للخلود وللبقاء وليس لمعرفة الحقيقة المُرّة، إذ الحقيقة المُرّة لا تهديء من روع خائف ومن قلق موت، بل النفس تميل لرفضها ولعدم الاقتناع بها، لأن من مهام النفس الانسانية ومهام" الأنا العليا "تحديدا حماية "الأنا" لتبقى على قيد الحياة في أفضل الشروط ،ومهما كانت السبل، وليس من مهامها الوجودية البحث عن الحقيقة ولو كانت صحيحة.
في الوقت الذي نصّب مفكري الفلسفة المادية أنفسهم روادا في البحث المادي عن الحقيقة العلمية لكل الأحداث والظواهر بعيدا عن الغيبيات واللامحسوس  والافتراضات  والأساطير ،ابتعدوا عن وعي مسألة خطيرة جدا هي ان النفس الانسانية لا تعشق الحقيقة دائما ،بل تخترع اوهاما لحالها لتطمئن حالها على مصيرها كعلاج دائم وناجح لقلق الموت، عدا جموح النفس الطبيعي للسيطرة عبر مال ام سلطة ام هيمنة ام استعلاءً بالفكر كإمتداد طبيعي انتروبولوجي تاريخي من الانسان الصياد،  مذ ما قبل الانسان العاقل.
حاول رواد الفلسفة المادية ان يعيدوا تهذيب وتأهيل الانسان ليسقط أناه الفردية الانانية تلك لصالح أنا الجماعة لعله يرتقي الى لحظة يقتنع فيها أن "لكلٍ حسب عمله ولكل وفق حاجته" اي أنهم يحاولوا محو تاريخا طويلا  من عمر الانسان واعادة برمجة دماغه من جديد على العمل الجماعي والاممية والأخطر ان يقتنع ان الانسان و بموته يختفي ويندثر الى الابد ويتحول الى العدم لمجرد ان التحليل المادي العلمي يقول ذلك اي حاولوا اقناع الناس بما أعتقدوه حقيقة علمية ورغم ما تسببه تلك الحقيقة من الم ووجع صاعقين لعدم قدرة النفس الانسانية الضعيفة المنهكة والمريضة واللاهثة خلف قوت عيشها من تحملها…
كان وما زال المتدينون أدهى في التعاطي مع قلق الموت الإنساني، بنوا كل اعتقاداتهم حول تلك الحالة الانسانية فأقاموا لها كل ما يلزم من طقوس ومراسم وتلاوات واحجيات وتفسيرات لطمأنة تلك "الأنا" القلقة على مصيرها فأشبعوها علاجا بل افرطوا في العلاج وتفننوا به، فكانت يوم القيامة وكان البعث وكان الحساب والثواب والعقاب وكان الصراط المستقيم وكانت الجنة قبل النار وكان الرحمن قبل الغاضب وكان الكفن وكان البخور .
وأكثر من ذلك جعلوا من الموت امنية واستشهادا عند المؤمنين وارتقاء الى نعيم واعد و رائع فيه ما طاب من طعام وما طاب من جمال نساء وموعدا للقاء الأحبة وتكريما للنفس الحائرة و الأدهى والأخطر والأذكى ،يوجد ايضا تصفية لحسابات دنيوية مع اعداء و ظالمين وحاسدين  في الآخرة بواسطة الرب وملائكته المتخصصين  بالعقاب ،الرب الذي سينتقم  من الخصوم و من الاعداء ويعيد لهم اي للموتى كل حقوقهم الدنيوية، كما  رووا حكايات لما بعد الموت و حكوا بشائرا له اي عالجوا قلق الموت والخوف على المصير كما تتمناه" الأنا" وبالتواطوء مع" الأنا العليا" لتهدأ النفس الانسانية الضعيفة المنهكة من الأسئلة الوجودية ومن الظواهر المرعبة ومن اسئلة لا قدرة للنفس  على تحمل الاجابات عليها.
أكثر من ذلك جعل المتدينون من رجال الدين رجالا يقفون عند الخط الفاصل بين الحياة والموت، يؤدون الصلاة او القداس ويرفعون الدعاء للميت ويلزمون اهله ببعض الطقوس للتخفيف من ذنوبه في القبر وما الحقيقة الا ان الاهل يفعلون ذلك بوعي ولاوعي كرمى شعورهم بالندم على كلمة او اساءة صدرت منهم او ذنبا اقترفوه نحو المتوفي المسكين بينما وقف رواد رجال الفلسفة الماركسية عند الخط الفاصل بين الحياة والحقيقة العلمية فإنهزموا .
عند الموت ينتصر الوهم دائما وتنهزم الحقيقة.
اذكى من ذلك جعل الفكر الديني من المقدسين لديه يقفون عند خط الصراط المستقيم، يهتمون بجماعاتهم وجعلوا من المقدسين لديهم وسيطا بين الموتى والاحياء عند الرب يجلسون قرب عرشه، يشفعون لجماعاتهم، بينما رواد الفلسفة المادية لا يستطيعون فعل اي شيء للناس بعد موتهم غير أنهم أخبروهم بالحقيقة العلمية بأنهم سيندثرون! 
ما قيمة التفكير والتحليل والحقيقة العلمية طالما انها لا تطمئن ولا تعالج أهم سؤال وشعور واحساس وتوتر وأخطر قلق بعد قلق المرض والاحداث المأساوية: قلق الموت.
من قال ان الناس تريد حقائق، الناس تعشق الاوهام ان كانت الاوهام علاجا لها .
إذا اضفنا ان الشعوب التي يغلب عليها الفقر والحاجة والحروب والتخلف والجهل والجريمة تزيد عندها الأسئلة الوجودية نعرف لماذا يتعمق لدى تلك الشعوب احساس قلق الموت أكثر لتصبح الحاجة للعدالة والراحة والامان في الغيب أفضل، ما يسهل أمر رجال الدين ويزيد من تجاهل الحقيقة العلمية المادية لعدم جدواها دنيا وآخرة.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى