
د. ميلاد السبعلي – الحوارنيوز

في نيويورك، حيث لا وقت طويلًا للذاكرة ولا صبر كثيرًا على العصبيات المشرقية، قرّرت المدينة أن تضع نصبًا صغيرًا في حديقة صغيرة، لتذكّر الناس بحيّ قديم كان اسمه “سورية الصغيرة” Little Syria) ). كان ذلك الحي، في جنوب مانهاتن، بيتًا أول للمهاجرين المتحدثين بالعربية، القادمين من جبل لبنان وبيروت ودمشق وحمص وحلب والقدس والناصرة، ومن مدن وقرى ذلك الفضاء الذي كانت الوثائق والخرائط والجامعات وسجلات الهجرة والصحف تسمّيه يومها: سورية أو بلاد الشام.
كان يمكن للنصب أن يكون مناسبة فرح لبنانية وسورية وعربية، لأنه يعيد إلى ذاكرة نيويورك جبران ونعيمة والريحاني وأبو ماضي وعفيفة كرم ونسيب عريضة والرابطة القلمية. لكنه تحوّل، عند بعض لبنان الرسمي والثقافي، إلى جرس إنذار هوياتي: لا لأن نيويورك أهملت جبران، بل لأنها تذكّرته كما كان يُذكر في زمنه؛ لا لأن الرابطة القلمية حُذفت من الذاكرة، بل لأنها وُضعت في سياقها التاريخي الطبيعي؛ ولا لأن اسم لبنان أُهين، بل لأن اسمًا أقدم وأوسع وأكثر إزعاجًا ظهر على لوحة صغيرة في حديقة: سورية.
وليست المشكلة في الاعتزاز بلبنانية هؤلاء الكبار. فهم، بالمعنى الوطني الحديث، لبنانيون، ومن حق لبنان أن يعتزّ بهم. المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتزاز إلى مصادرة، وحين تصبح الهوية الحديثة أداة لقطع الذاكرة، فيُطلب من جبران ورفاقه أن يحملوا، بأثر رجعي، جواز سفر سياسيًا لم يكن موجودًا يوم كتبوا وهاجروا وحلموا.
ففي زمن جبران، لم تكن كلمة سوري ( Syrian ) تعني مواطنًا في الجمهورية السورية الحالية، التي لم تكن قد وُلدت بعد، بل كانت تشير إلى فضاء تاريخي وثقافي أوسع: بلاد الشام أو سورية التاريخية، بما فيها جبل لبنان وفلسطين والأردن وأجزاء أخرى من المشرق. لذلك لم يكن غريبًا أن تُسمّى الجامعة الأميركية في بيروت، منذ تأسيسها سنة 1866 حتى ما بعد اعلان دولة لبنان الكبير من قبل الجنرال غورو، بالكلية السورية البروتستانتية، ولا أن تُسجَّل عائلات من بشري وزحلة والشوير والمتن وطرابلس وصيدا في سجلات الهجرة الأميركية بوصفها قادمة من Syria. وفي الصور المرفقة من سجلات Ellis Island، يظهر أنطون سعاده وأفراد عائلته القادمين في آذار/مارس 1920 بوصفهم Syrians، ومن الشوير، Syria؛ أي من بلدة جبلية لبنانية داخل سورية التاريخية، لا من «لبنان كبير» كان لا يزال يتشكل سياسيًا.
لكن بعض الانعزاليين لا يحبون الوثائق حين تأتي بغير اللون المطلوب. فإذا قال الأرشيف إن الحي كان Little Syria، قالوا: اعتداء. وإذا قالت سجلات الهجرة إن ابن جبل لبنان كان يُسجَّل أحيانًا سوريًا، قالوا: تشويه. وإذا قال جبران نفسه: الشباب الأميركيون من أصل سوري American Youth of Syrian Origin، تدخّل حرّاس الهوية بعد قرن ليشرحوا له، بلطف صارم، أنه كان يجب أن يكتب ما يريحهم لا ما كان صحيحًا في زمنه.
وهنا تبلغ الكوميديا ذروتها. فالذين يدّعون الدفاع عن جبران لا يحتملون جبران كما كان. يريدونه شاعرًا لبنانيًا نظيفًا من كل شبهة سورية، مارونيًا ثقافيًا بلا عمق مشرقي، عالميًا بلا جذور سورية، عربيًا حين يلزم، فينيقيًا حين يلزم، لبنانيًا دائمًا، وسوريًا أبدًا ممنوعًا. يريدون منه أن يكون رسولًا كونيًا، شرط ألا يخرج من حدود المتصرفية. يريدونه أن يخاطب الإنسانية جمعاء، لكنهم يرتعبون إذا خاطب أبناء “الأصل السوري” في المهجر.
لبنان الحقيقي لا يصغر إذا اعترف بأن جبل لبنان كان جزءًا من فضاء سوري واسع. ولا تنقص لبنانية جبران إذا قلنا إنه ابن بشري ولبنان وسورية التاريخية والعربية والمهجر والإنسانية معًا. الهويات الكبرى لا تُلغي بعضها. وحدها الهويات الخائفة تعيش كأنها غرفة ضيقة: إذا دخلها اسم، خرج منها اسم آخر.
أما جبران، فقد ترك ما يكفي لإرباك كل من يريد له هوية معقّمة من سورية. في نصّه إلى ( American Youth of Syrian Origin ) ، لا يخاطب “الشباب الأميركيين من أصل لبناني”، كما يطيب لبعض المصححين اللاحقين، بل “من أصل سوري”. وفي النص نفسه لا يتنكر لتلال لبنان ومدنه التاريخية الى جانب مدن سورية التاريخية. هنا لا تناقض: سورية اسم الفضاء، ولبنان اسم الجذر. أما الأزمة الحقيقية فهي أننا ورثنا الجذر وخسرنا الفضاء، ثم صرنا نغضب من الوثيقة لأنها تذكّرنا بما خسرناه.
وليس الأمر عنوانًا عابرًا. ففي سنوات الحرب والمجاعة، حين كان جبل لبنان يموت جوعًا، تحرّك جبران ضمن Syrian-Mt. Lebanon Relief Committee، لا ضمن لجنة لبنانية منفصلة عن محيطها. والأشد إزعاجًا للذاكرة الانعزالية أن وثائق تلك المرحلة تتحدث عن “Syria, including Mount Lebanon”: سورية، بما فيها جبل لبنان. لا سورية ضد جبل لبنان، ولا جبل لبنان خارج سورية، بل سورية بما فيها جبل لبنان. عبارة واحدة تكفي لإسقاط قرن من التعصب.
وفي رسائله الخاصة إلى ماري هاسكل، لم تكن سورية عند جبران خطأ موظف في مرفأ أميركي، بل جرحًا داخليًا: أمًا عليلة، ووطنًا ضعيفًا، ومأساة تحرق القلب. وحتى عبارته المنقولة: “أنا سوري، أو بالأحرى لبناني”، لا تكشف تناقضًا، بل تداخلًا طبيعيًا بين الجذر اللبناني والأفق السوري.
حتى عندما يتحدث جبران عن سورية في بعدها الحضاري، لا تبدو سورية عنده دولة عابرة أو حدودًا سياسية لاحقة، بل كيانًا ثقافيًا وروحيًا. فحين يتحدث جبران عن سورية ككرمة تاريخية نمت أمام الشمس وأعطت العالم خمرًا حضاريًا ما يزال منتشياً منه، لا يتحدث عن دولة لاحقة ولا عن حدود إدارية، بل عن فضاء حضاري مشرقي. يتكلم عن مجتمع سوري يتأرجح بين تفكير متحجر، وتقليد أعمى للغرب، وفئة ثالثة يريدها ناهضة: مشرقية في أصالتها، عربية في لسانها، منفتحة على علوم الغرب وآدابه لتجدّد ذاتها لا لتذوب فيه.
ثم تأتي سنة 1919، بعد انهيار السلطنة وقيام السؤال الكبير حول مصير بلاد الشام. في تلك اللحظة لم يكن جبران يتحدث عن «مسألة لبنانية» معزولة، بل عن “المسألة السورية”. في النصوص المنقولة عنه من تلك المرحلة، تبدو سورية أمًا منكوبة وأرضًا أبناؤها فيها بأجسادهم، أما نفوسهم ففي لندن وباريس وجزيرة العرب وحسابات الدراهم. ويبلغ النداء ذروته حين يقول: “اسمعوا أيها المسجونون في سجن ضمن سجن ضمن سجن، ليست سورية للعرب، ولا للإنكليز، ولا للفرنسيين، ولا لليهود، سورية لكم ولي. إن اجسامكم التي جُبلت من تربة سورية، هي لسورية، وارواحكم التي تجوهرت تحت سماء سورية هي لسورية، وليست لبلاد أخرى تحت الشمس. فأنا سوري وأريد حقاً سورية، وحرية سورية لسورية”. فماذا نفعل بهذا الجبران؟ هل نصحّح له السرديّة؟ أم نعترف أن جبران كان يرى جبل لبنان ضمن المسألة السورية لا خارجها؟
والأشد دلالة أن جبران، بعد الحرب العالمية الأولى، لم يرسم حلمًا اسمه Free Lebanon ولا Free Phoenicia، بل أبدع رسماً سماه Free Syria ونشره على غلاف مجلة السائح. هذا لا يلغي لبنان، بل يكشف أن سؤال الحرية في تلك اللحظة كان سؤال سورية التاريخية، قبل أن تأتي خرائط الانتداب لتفصل وتجزّئ وتعيد تسمية الأمكنة.
هنا يصبح المشهد ساخرًا إلى حد العبث. نيويورك لم تخترع Little Syria. كان الحي هناك، وفيه الصحف والمطابع والكنائس والمتاجر والمقاهي والبيوت، وفيه اللغة العربية وهي تجرّب نفسها في العالم الجديد. ومن هذا المناخ خرجت الرابطة القلمية، أو The Pen League، أو The Pen Bond: ظاهرة مهجرية مشرقية ناطقة بالعربية، لا “الرابطة اللبنانية للتطهير الهوياتي”. وإذا كان معظم رموزها من قرى ومدن صارت لاحقًا ضمن لبنان الكبير، فهذا لا يلغي أن البيئة التي احتضنتهم كانت تُسمّى يومها سورية، وأنهم أنفسهم لم يرتعبوا من هذا الاسم.
وإذا أراد المرء وثيقة مهجرية لا تحتمل التأويل، فليفتح “التقويم السوري الأميركي ودليل المهاجرين” الصادر في نيويورك سنة 1930، والذي جمعه وحرره نسيب عريضة، أحد رموز الرابطة القلمية. العنوان وحده يكفي: ليس “التقويم اللبناني الأميركي”، بل التقويم السوري الأميركي. وفي فهرسه، كما تُظهر الصور، لا تأتي سورية كزلة عابرة، بل كبنية كاملة للوعي المهجري: “ما هي سورية”، “تاريخ موجز لتاريخ سورية”، “الحركة الوطنية في سورية”، “سورية في الحرب الكبرى”، “الحكومة السورية”، “الحكومة اللبنانية”، و”تقسيم سورية الإداري في الزمن الحاضر”. كما تظهر عبارات مثل: “الدليل السوري التجاري لمدينة نيويورك”، و”الجمعيات السورية في نيويورك وبروكلن”، و”الحلف الأميركي السوري”، و”الرابطة القلمية”، و”الغرفة التجارية السورية”. وهذه كلها لا تشير إلى هوية سياسية ضيقة، بل إلى عالم مهجري واسع ضمّ عائلات وشركات ومؤسسات من لبنانيين وشاميين وفلسطينيين وأبناء شرقي الأردن، تحت الاسم السوري التاريخي الذي كان مألوفًا في ذلك الزمن. (يمكن تنزيل التقويم من هذا الرابط: https://drive.google.com/file/d/1jNHn066h69bUaq8OP_zz0Ko9OXbyZrmd/view?usp=sharing )
ولعلّ المقارنة مع إيطاليا الصغيرة (Little Italy) تكشف المفارقة. نيويورك أبقت Little Italy حيًا قائمًا، ولو تقلّص وتحول إلى ذاكرة ومطاعم ومهرجانات. أما سورية الصغيرة (Little Syria)، فقد ابتلعها العمران والأنفاق في الأربعينيات، ولم يبقَ منها إلا بعض الأبنية والوثائق والنصب الجديد. الإيطاليون لا يرتعبون من اسم Little Italy، أما بعض اللبنانيين فيرتجفون من Little Syria، لا لأن الاسم مختلق، بل لأنه موثّق؛ لا لأن نيويورك محَت الحي، بل لأنها لم تمحُ الاسم.
لقد صنع الانتداب “لبنان الكبير” (Greater Lebanon)، لكن بعض العقول تريد أن تعود إلى “لبنان الصغير” (Little Lebanon): لا لبنان الرسالة والتعدد والجسر والنهضة ونطاق الفكر الحر، بل لبنان المتراس. لبنان الذي لا يرى في الشام عمقًا بل تهديدًا، ولا في التاريخ المشترك ثراءً بل مؤامرة. يريدون جبران عالميًا، لكنهم لا يسمحون له أن يكون سوريًا.
هنا يصبح “تصحيح الهوية” قراءة رجعية للماضي بعين خرائط لاحقة، لا بحثًا في التاريخ كما كان.
الحقيقة أبسط من هذا الصراخ كله: نعم، كان بعض هؤلاء الأدباء من جبل لبنان، وصاروا في الذاكرة الحديثة رموزًا لبنانيين كبارًا. لكن نعم أيضًا، كانوا جزءًا من فضاء سوري/شامي أوسع، عُرف فيه المهاجرون الأوائل غالبًا باسم السوريين، وولدت فيه الرابطة القلمية كظاهرة سورية-مشرقية ناطقة بالعربية، لا كملكية حصرية لهوية لاحقة.
ليست المسألة أن نستبدل “لبناني” بـ”سوري”، ولا أن نلغي لبنان لصالح سورية أو سورية لصالح لبنان. المسألة أن نخرج من عقلية المقصلة الهوياتية. الهوية التاريخية طبقات لا زنزانة. وجبران لبناني بالجغرافيا الحديثة، سوري بالفضاء الحضاري، عربي باللغة، إنساني بالرسالة، وأميركي بالتجربة المهجرية. من يختزله في خانة واحدة لا يدافع عنه، بل يسرقه من اتساعه وغناه.
مأساة بعض الانعزاليين أنهم لا يخافون فقط من سورية السياسية، بل من سورية الثقافية والتاريخية والوجدانية: من اسم يظهر في سجلات الهجرة، أو على بوابة جامعة، أو في عنوان لجبران، أو في رسالة إلى ماري هاسكل، أو في لجنة إغاثة تقول: Syria, including Mount Lebanon، أو في رسم اسمه Free Syria، أو من نصب تذكاري لحي نيويوركي اسمه “Little Syria”. يخافون من الاسم لأنه يذكّرهم بأن لبنان لم يولد في فراغ، وأن جبل لبنان لم يكن كوكبًا معزولًا، وأن كثيرًا من الذين صنعوا لبنان الثقافي كانوا أوسع من لبنان السياسي. وجبران نفسه قال لهم: “لكم لبنانكم ولي لبناني”.
لذلك، فإن نصب سورية الصغيرة (Little Syria) ليس المشكلة. المشكلة هي في الـLittle Mind: عقل صغير لا يحتمل تاريخًا كبيرًا، ولا يريد إنقاذ الذاكرة بل إنقاذ النسيان.
أما الذين يريدون حذف سورية من كل نص، فمشكلتهم ليست مع نيويورك. مشكلتهم ليست مع لوحة في نيويورك، بل مع أرشيف كامل: الكلية السورية البروتستانتية، وسجلات Ellis Island ووثائق المهاجرين، وصحف المهجر، وThe Syrian World، والرابطة القلمية، ورسائل جبران، وFree Syria، والتقويم السوري الأميركي. قرن كامل من الوثائق يرفض أن يخضع لمزاجهم اللاحق.
فلنترك جبران يتنفس: يقول لبنان حين يرى الجبل، وسورية حين يرى الأفق، والعربية حين يرى اللغة، والإنسان حين يرى الروح. ولنترك Little Syria في نيويورك تقول ما عجز كثيرون عن قوله في الوطن: أن الذاكرة لا تُدار بقرارات وزارية، وأن الأمم الواثقة لا تخاف من أسمائها القديمة.
في النهاية، ليست المفارقة في الأسماء وحدها، بل في أحجام الوهم السياسي التي تكشفها هذه الأسماء. فبعض جماعة “لبنان الكبير” (Greater Lebanon) لا يخافون على اتساع لبنان، بل يخافون منه؛ لذلك يهربون، في وعيهم العميق، إلى “لبنان الصغير” (Little Lebanon): لبنان الملجأ، لا لبنان الرسالة؛ لبنان المتراس، لا لبنان الجسر؛ لبنان الذي يطمئن إلى عزلته أكثر مما يطمئن إلى دوره.
هؤلاء أرعبتهم تسمية “سورية الصغيرة” (Little Syria): حيّ قديم في مانهاتن، ولوحة في حديقة، واسم خرج من الأرشيف كما يخرج الشاهد من قبره. خافوا من الاسم الصغير لأنه فضح الخوف الكبير: أن لبنان الذي يريدونه لا يتّسع حتى لذاكرة أبنائه.
وهنا تبلغ المفارقة أقساها: من يهرب من عمقه المشرقي لا يصل إلى لبنان أوسع، بل إلى لبنان أضيق؛ ومن يخاف من “سورية الكبرى” (Greater Syria) كفضاء تاريخي وحضاري، قد يجد نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، على هامش مشروع لا يريد لا لبنان كبيرًا ولا لبنان صغيرًا، بل مشرقًا مكسورًا على قياس “إسرائيل الكبرى” (Greater Israel). هكذا يصبح الخوف من الذاكرة بداية الاندثار، لا طريق النجاة إلى المستقبل.
*خبير تربوي – رئيس مؤسسة سعادة للثقافة




