ثقافة

الجنوب… الدِّيار التي تسكنني (خضر ضيا)

 

خضر ضيا – الحوارنيوز

 

في داخلي

يُقيمُ الجنوبُ

مثلَ فجرٍ

نسيَ كيفَ ينطفئ.

 

كأنَّهُ

وجهُ أمِّي

حين كانتْ

تُعلِّقُ دعاءَها

على نافذةِ الصباح،

ثمَّ تمضي

لتزرعَ في التراب

أسماءَنا

كي لا نضيع.

 

هناك،

كانتِ الحجارةُ

تعرفُ وقعَ خُطانا،

وتردُّ علينا السلام

كلَّما مررنا

خفافًا

كأنَّنا أبناءُ الضوء.

 

هناك،

كان الحقلُ

يتنفَّسُ بينَ ضلعٍ وضلع،

وكانت السنابلُ

ترفعُ رؤوسَها

كأنَّها تصلِّي

من أجلنا.

 

لكنَّ الوحشَ

الذي لا يفهمُ

لغةَ القمح،

مرَّ من هناك.

 

مرَّ

كريحٍ سوداء

تعاقبُ الأرضَ

لأنَّها أنجبتنا.

 

أحرقَ الزيتونَ،

كأنَّهُ

يريدُ أن يمحوَ

شهادةَ الأشجار.

 

لكنَّ الزيتونَ

أقدمُ من نارهم،

والأرضُ

أوفى من رمادهم.

 

تُخفي بذورَنا

في صدرها،

وتُخبِّئُ

رائحةَ الخبز

في شقوقِ البيوتِ

التي هجرتهاُ الأصوات.

 

أمشي الآن

في مدنٍ

لا تعرفُ اسمي.

 

أجرُّ خلفي

وطنًا كاملًا

كعباءةٍ من تعب.

 

أحملُ صُوْرَ

في قلبي

كجرحٍ مضيء،

وأحملُ بنت جبيل

في عينيَّ

مثلَ نافذتيْن

على طفولةٍ بعيدة،

وأُسندُ النبطيَّة

إلى كتفي

كي لا تسقطَ

من ذاكرتي.

 

وأحملُ

كلَّ القرى

التي لا تراها الخرائط،

لكنَّها

تنبتُ في دمي

كلَّما اشتدَّ الغياب.

 

الطُّرقاتُ هنا

واسعةٌ…

لكنَّها تضيقُ بي.

 

الأرصفةُ صامتة،

لا تحفظُ

صدى خُطى أبي.

 

كلَّ ليلةٍ

أعودُ إلى نفسي

كأنِّي طارقٌ غريب.

 

أدقُّ بابَ روحي

ولا يفتحُ

إلَّا الصدى.

 

أفتِّشُ

عن مقعدٍ

ما زال دافئًا

بصوتِ أبي،

عن نافذةٍ

تطلُّ على كرمٍ

لم تصلْ إليهِ النَّار.

 

أنامُ

على أملٍ

رقيقٍ كزجاج،

وأصحو

على خبرٍ جديد

ينهشُ

ما تبقَّى

من صبري.

 

في النزوح،

كلُّ الأشياءِ

ترتدي الانتظار.

 

القهوةُ

مرَّةٌ،

لأنَّها لم تغلِ

على حطبِ الضيعة.

 

الخبزُ

باردٌ،

لأنَّهُ لم يعبرْ

تنُّورَ أمِّي.

 

حتَّى الضحكَةُ

تأتي ناقصةً،

كأنَّها

تستأذنُ الغائبين

قبل أن تولد.

 

أنا

ابنُ هذا التراب.

 

قبلَ المدنِ كلِّها،

قبلَ المنافي،

قبلَ الأسماءِ الجديدة.

 

غريبٌ

في كلِّ شارعٍ

لا يقودُ

إلى بابِ بيتنا.

 

لاجئٌ

في كلِّ مكانٍ

لا يشبهُ

رائحةَ المطر

حين يلامسُ

ترابَ الجنوب.

 

لكنِّي أؤمن—

 

أنَّ الحقولَ

التي شربتْ

دماءَ أهلها

لا تخون.

 

وأنَّ الدروبَ

التي مشيناها حفاةً

لن تنسى

أقدامَنا.

 

وأنَّ الصباحَ

وإن تأخَّر،

سيأتي.

 

فالجنوبُ

ليس مكانًا.

 

الجنوبُ

وعدٌ

معلَّقٌ

بين القلبِ

والسماء.

 

والوعدُ الصَّادقُ

لا يموت…

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى