منوعات

الاثار (الكورونية) على عالم متفكك

 

د. طلال حاطوم

جائحة فيروس كورونا 2019 – 20 أو جائحة كوفيد – 19 والمعروفة أيضًا باسم جائحة فيروس كورونا، هي جائحةٌ عالميةٌ مستمرةً حالياً لمرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، سببها فيروس (كورونا 2) المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة (سارس- كوف – 2).
تفشّى المرض للمرة الأولى في مدينة ووهان الصينية، في أوائل شهر كانون الاول/ ديسمبر عام 2019. أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميًا في 30 كانون الثاني/ يناير أن تفشي الفيروس يُشكل حالة طوارئ صحية عامة تبعث على القلق الدولي، وأكدت تحول الفاشية إلى جائحة يوم 11 اذار/مارس.
أُبلغ عن أكثر من 9٫86 مليون إصابةً بكوفيد – 19 في أكثر من 188 دولةً ومنطقةً حتى تاريخ 27 حزيران / يونيو عام 2020، تتضمن أكثر من 495٬000 حالة وفاة، بالإضافة إلى تعافي أكثر من 4٫98 مليون مصاب.
ومنذ انتشار هذه الجائحة وجزء كبير من العالم، وبالاخص في العالم العربي، اما تلهى بتحديد اصل الفيروس تحت عنوان (المؤامرة) و(الحرب البيولوجية)، واما انشغل بايجاد العلاج قبل معرفة تركيبة الفيروس واساليب مواجهته، واما ـ كما في حالتنا المتردية ـ انتظار الترياق من الخارج، وتفنن في الداخل في تحميل المسؤولية لقادة سياسيين لمجرد الاختلاف معهم.
الاشكالية الاخطر كانت ان الانظمة انشغلت اكثر ـ في ما بعد ـ بالامن الصحي لمواطني دولها، وهذا امر جيد، ولكن هنا ايضاً ظهرت هشاشة العلاقة بين الانظمة الصحية والشعوب التي لم تستجب الى الارشادات الصحية والمعايير المفروضة لمنع تفشي الجائحة لغياب الثقة بين الطرفين.
وأيضاً، غاب التنسيق بين الادارات والوزارات في الدولة الواحدة، كما غاب ـ وهنا المفارقة ـ التنسيق وتبادل الخبرات بين الدول التي كان من المفترض ان تتداعى لهبّة واحدة لمواجهة (العدو المستجد) الذي يهدد البشرية جمعاء بغض النظر عن العرق واللون والجنس والعمر.
ثمة ملاحظة لا بد من الاشارة اليها: الانهماك بالامن الصحي ـ على اهميته ـ غاب عنه الالتفات الى الامن الاقتصادي والواقع السياحي ودورة الانتاج وتوقف الاعمال والبطالة، التي تسببت بها الجائحة دون رحمة. وكانت الصدمة ما تشهده دول العالم باجمعه من واقع اضاف الى ازماته ومشاكله ازمات جديدة سيكون لها التأثير الاكبر على العالم ونمط الحياة الفردية والمجتمعية في مرحلة ما بعد (كورونا).
وهو ما بدأت الاشارة الى مخاطره من مؤسسات علمية متخصصة بشتى جوانب العلوم الصحية والاقتصادية والمالية والانتاجية، وحتى العلاقة بين الدول والتجارة الدولية واليبنة، كما على السياسات الحمائية لمنتجات بعينها ستتخذ دول كثيرة قرارات بمنع تصديرها واحتكارها لمواطنيها.
ولا يستثنى قطاع السياحة من الركود فقد  أصيب بالشلل، في حين أن العجز الكبير وارتفاع مستويات الدّين العام يشكلان تحديات كبيرة في البلدان النامية والدول الصغيرة.
ومن المؤكد ان اقتصاد ما بعد كورونا (اذا كان لهذا الفيروس من محطة توقف، وهو ما يبدو صعباُ حتى اللحظة) لن يكون الاقتصاد الذي عرفه العالم خلال العقود السبعة الماضية، والدول اصبحت مطالبة بإحياء منتجها المحلي لمواجهة أزمات كأزمة كورونا.
كما تجد التغيرات التي يشهد العالم انعكاسها في التغير الدراماتيكي الذي غيّر نمط الحياة اليومي. فخلال أقل من شهرين على تفاقم الأزمة أصبحت حياة ثلث سكان الكون، أكثر من (3 مليار نسمة) محصورة بين مكان السكن ومتاجر الأغذية والمشروبات والمنظفات المنزلية والصيدلية. وبين ليلة وضحاها توقفت آلاف المصانع والمؤسسات عن الانتاج ومعها عشرات الملايين من البشر عن العمل، بخسائر يقدرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بنحو تريليوني دولار حتى الآن.
وفي المقابل أصبح على عشرات الملايين العمل من البيت بدلاً من المكتب أو المكان الذي يوفره أصحاب العمل. وفجأة أصبح العيش دون متاجر ألبسة ومطاعم ومقاهي وصالونات حلاقة وسياحة، في وقت تتحول فيه المراكز الحضرية إلى مدن أشباح.
في ظل هذا الوضع تزدهر التجارة الإلكترونية وتتعزز مكانة الانماط الافتراضية عبر الإنترنت ووسائل تواصلها المتعددة بشكل لم يسبق لها مثيل.
وفي خضم هذه التغيرات، يلوح في الأفق نمط أو نظام اقتصادي جديد على وقع العيوب القاتلة في النمط الحالي الذي يتعامل مع صحة الناس في معظم البلدان على أساس الربح والخسارة. وتظهر هذه العيوب أيضا في الغياب المريع للتضامن العالمي مقابل تعزيز النزعة القومية الأنانية، حتى بين دول تشكل أحلافاً واتحادات كحلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
ومن الأدلة الكثيرة على ذلك اتهامات فرنسيّة وألمانيّة تفيد بأن واشنطن تقرصّن شحنات طبية بأسعار خيالية سبق لجهات فرنسية وألمانية أن اشترتها قبل ذلك.
على الصعيد الأوروبي لم تستفق بروكسل على النكبة الإيطالية بالفيروس لتقدم اعتذارها لروما على التقصير في تقديم عون أو مساعدة. وبدورها ترفض واشنطن رغم الأسباب الإنسانية رفع العقوبات عن تزويد إيران وفنزويلا وسوريا وكوبا ودول أخرى بمعدات طبية لمواجهة كورونا.
وحتى صندوق النقد والبنك الدوليين فهما شبه مختفيين عن ساحة التضامن التي خلت إلا من المساعدات الثنائية التي تقدمها ألمانيا وروسيا والصين وحتى كوبا الفقيرة لبعض الدول المنكوبة وفي مقدمتها إيطاليا.
وهناك، ولحسن الحظ، مبادرات فردية وخيرية قد لا تكون كافية ـ وهي بالتأكيد كذلك ـ في مختلف أنحاء العالم تحاول ان تخفف المعاناة عن جزء من معاناة الناس، لاسيما الفقراء منهم، بسبب الارتفاع الكبير الذي بدأت تشهده أسعار بعض الأغذية والأدوية الضرورية. وهنا لا بد من التأكيد على دور كبير يقوم به متبرعون وجمعيات خيرية ومرجعيات دينية في الدول العربية والاسلامية بشكل يساعد على التخفيف من حدة تبعات الأزمة ولكنه لا يغطي كل المجتمع الذي يتحرك في فضائه، فكيف بتغطيات خارج الحدود؟
وفي غياب المعالجات الفاعلة، والاستمرار في التكهنات حول ازدياد وتيرة الجائحة وعدم الوصول الى علاج حسام لها، يبدو ان الآمال المنخفضة تفرض ايجاد حلول للازمات المرافقة للفيروس، وتحتاج الى اجراءات استثنائية بل وابداعية، قد تكون قاسية، ولكنها ضرورية ولازمة.
مثلاً، في ظلّ التداعيات العالميّة الاقليميّة لهذا الوباء، تحثّ غرفة التجارة العربية النمساوية على الإجراءات الإضافيّة الأساسيّة التالية، بغية تمكين الاقتصاد والصناعة المحلّيّة من التعافي والتغلّب على الجائحة في مرحلتها الأخيرة وأيضاً فيما بعد:
ـ تنفيذ خطوط إنتاج محلّيّة لمنتجات أساسيّة كالأطعمة واللوازم الطبّيّة والصيدلانيّة من قبل شركات وطنيّة عريقة بدعمٍ مادّيٍّ من الحكومة، وذلك لضمان توفّر هذه المنتجات عند الطلب واستقلال الموردين الخارجيّين.
ـ إنشاء أدوات رقميّة عبر الانترنت، كمنصّة لتبادل الأعمال والأنشطة التجاريّة والاقتصاديّة، بهدف إنشاء بورصةٍ رقميّةٍ للمنتجات وتسويق المؤسّسات والمنتجات المحلّيّة ودعمها.
ـ تمكين المؤسّسات والشركات المحلّيّة من التعرّف على شركاء عمل على الصعيدّين الوطني والعالمي في ظل الظروف الحالية التي تفرض شراكات جديدة، من خلال مؤسّسات أو مراكز معتَمدة ومعترف بها كغرف التجارة وغيرها؛
ـ تنسيق الجهود المتعلّقة بالسياسات الاقتصاديّة والصحيّة على الصعيدَين الوطني والدولي بغية تحسين مستوى الجهوزيّة تحسّباً لانتشار فيروس كوفيد-19 مجدّداً أو ظهور أي وباء آخر في المستقبل؛
ـ إعادة النظر في المبادئ القانونيّة للقواعد العامّة لحماية البيانات وتخفيفها بحيث يُسمَح للمؤسّسات والمراكز المعتَمدة والمعترف بها بتبادل البيانات المهنيّة وتداولها بشكلٍ أسهل وبالتالي تعزيز الأنشطة الاقتصادية وإنعاشها.
إنّ الاقتصاد العالمي سيشهد حتماً تغيّرات هائلة، أبرزها تقدّم معظم الدول الآسيويّة اقتصاديّاً إذ كانت الأولى لجهة محاربة هذا الوباء واحتوائه بعد تفشّيه. والدول في العالم كله ستحتاج إلى المزيد من الوقت للتّعافي نظراً لنظام الرعاية والهيكليّات التّي تمّ تنفيذها لدعم اقتصادها وسكّانها. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد فرضيّة انتشار الوباء من جديد، الأمر الذي سيحتّم ضرورة إعادة تقييم الوضع الاقتصادي برمّته والتوصيات ذات الصلة.
فهل نتعظ في بلداننا العربية والاسلامية ونبدأ في الاعمال التنفيذية المبنية على سياسيات طبية واقتصادية ومالية وتجارية وانتاجية ومجتمعية تكون نتاج عصف فكري لاصحاب الاختصاص المؤهلين من علماء (وهم كثر في عالمنا العربي والاسلامي ولكنهم مهمشون في ظل الانشغالات السياسية) في مختلف الاختصاصات؟ ام اننا سنبقى تابعين حتى في حالات المرض والافلاس في عالم متفكك؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى