جنوب الليطاني والمقايضة الجغرافية: استعادة لسيناريوهات الفتنة القديمة ( أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
يواجه الواقع اللبناني اليوم منعطفاً خطيراً يعيد إلى الأذهان سرديات تاريخية ظن الكثيرون أنها طويت مع الزمن، إلا أن المشهد الراهن يشير إلى انخراط بعض القوى اليمينية في طروحات تشبه إلى حد بعيد صفقات المقايضة الجغرافية، حيث يبدو أن هناك قبولاً مضمراً ببيع جنوب نهر الليطاني مقابل ضمانات أمنية واهية لبقية المناطق اللبنانية، دون أدنى اعتبار للمأساة الإنسانية التي تطال أكثر من نصف مليون مواطن يعيشون مرارة النزوح القسري، في مشهد يستحضر بقسوة ذكريات التهجير إبان الحرب الأهلية وما خلفته من ندوب عميقة في الوجدان الوطني.
إن هذا التوجه لا ينفصل عن أداء السلطة السياسية التي تبدو متماهية مع أجندات ومطالب دولية تخدم في جوهرها مصالح الكيان العبري، ما يعيدنا بالذاكرة إلى الوثائق التاريخية التي كشفت عن مراسلات بين الوكالة اليهودية وأقطاب سياسيين وروحيين في مراحل سابقة، حيث كان ينظر إلى الجنوب وكتلته البشرية كعبء ديموغرافي يهدد توازنات دقيقة ويجعل البعض يشعر بأنه أقلية داخل أقلية، وهو منطق إقصائي يبدو أنه ما زال يعشش في عقول البعض الذين يرون في اللحظة الراهنة فرصة لتنفيذ تلك الأحلام القديمة وتحويلها إلى واقع جغرافي وسياسي جديد على حساب وحدة الأرض والشعب.

وتتعامل هذه الفئة مع المرحلة الراهنة بوصفها الفرصة التاريخية التي لن تتكرر، حيث يندفعون خلف الهجوم الأميركي الإسرائيلي بنوع من التهليل والترحيب الذي لم يعد خافياً، بل صار معلناً عبر منصاتهم الإعلامية وتصريحات مؤثريهم وسياسييهم، وهو سلوك يكشف عن إصرار على تجاهل دروس الماضي القريب والبعيد، فالتاريخ اللبناني منذ عام ١٩٤٨ وحتى اليوم حافل بالرهانات الخاطئة التي لم تجلب سوى الويلات، مروراً بالحروب والأزمات المتتالية التي عصفت بالبلاد، وصولاً إلى الحرب الأهلية وما تخللها من صدامات دموية لم تفرق بين خصوم أو حلفاء داخل الصف الواحد.
إن هذا الانخراط في الرهانات الخارجية ينم عن قصر نظر سياسي، إذ يتم القفز فوق حقيقة أن الاستقواء بالخارج كان دائماً وبالاً على أصحابه وعلى الوطن، ومع ذلك نجد هذا التيار يكرر ذات الخطايا التاريخية، معتقداً أن موازين القوى الدولية قد تمنحه نصراً ناجزاً على شركائه في الوطن، متناسين أن الحروب السابقة لم تنتهِ إلا بتمزيق النسيج الاجتماعي وإنهاك الجميع، وأن اللحظة التي يظنونها فرصة للحل هي في الواقع وصفة لمزيد من التفتت والضياع.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأميركي كمنطلق أساسي لهذه التحولات، فما يهم الولايات المتحدة هو مصلحة إسرائيل قبل كل شيء، حيث تعتبر الأمن القومي الإسرائيلي جزءاً من أمنها الخاص، وبالتالي فإن أي مفاوضات تجري برعايتها ستكون مصلحة الاحتلال أولويتها المطلقة، ومن مصلحة إسرائيل البديهية أن تؤجج النار المستعرة في نفوس اللبنانيين نتيجة عدوانها المستمر، مستغلة غياب أوراق القوة اللبنانية الكافية للتفاوض، مما يجعل المساعي الدبلوماسية التي يعول عليها البعض مجرد أوهام، فمن دعم وغطى حرب الإبادة الجماعية في غزة والمجازر في لبنان، سيقود المنطقة حتماً إلى صراعات داخلية لا تبقي ولا تذر.
تتجلى خطورة هذا المشهد في التباينات الواضحة على مستوى الرئاسات اللبنانية، حيث يبدو الانقسام عميقاً حول مسار التفاوض، فبينما يظهر رئيس الجمهورية جوزاف عون إصراراً على المضي قدماً كطرف أساسي في مشروع التفاوض تحت ضغط النيران، يتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بمعادلة وقف إطلاق النار أولاً ثم البحث في التفاصيل، هذا السجال غير المباشر بين بعبدا وحارة حريك ألقى بظلاله على الحراك السعودي الأخير، الذي كان يهدف لعقد لقاء رئاسي ثلاثي يجمع عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام لرسم استراتيجية موحدة.
وعلى الرغم من زخم الاتصالات التي شهدها خط الرياض بيروت في محاولة لترميم هذا المسار، فإن تلبد الأجواء وتجميد زيارة بري المقررة إلى القصر الجمهوري يشيان بعمق المأزق الراهن، في ظل استياء سعودي واضح من وتيرة السجالات الحادة التي طفت على السطح، إن التموضع الأخير لرئيس الجمهورية، والذي قوبل بقلق شديد من قبل قوى الثنائي، يؤشر إلى انقسام بنيوي يتخطى الخلافات السياسية التقليدية ليلامس جوهر الثوابت الوطنية، ففي وقت يتمسك فيه رئيس المجلس النواب بقاعدة وقف العدوان والانسحاب الشامل كشرط مسبق لأي بحث سياسي، تتصاعد مخاوف الشارع من أن تؤدي هذه الفجوة العميقة بين الرئاسات إلى منزلقات أمنية واجتماعية لا تحمد عقباها.
ويبقى الرهان الأخير معلقاً على مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، بوصفها المخرج الممكن لصياغة توازنات تفرض حلاً يراعي المصلحة الوطنية اللبنانية الجامعة، ويؤدي إلى لجم التدهور الحاصل، إذ إن غياب مثل هذا التوافق الدولي والإقليمي، وفي ظل حالة العناد التي يبديها رئيس الجمهورية، سيضع البلاد على سكة الزوال الفعلي، وهو توصيف يلامس الحقيقة المرة بعيداً عن أي مبالغة.



