إستشهاد مها أبو خليل.. “خاطفة الطائرات الأنيقة”(مروة جردي)

الحوارنيوز – صحافة
كتبت مروة جردي في صحيفة الأخبار:

من قاعة محاكمة في أثينا إلى ركام صور، تنتهي سيرة مها أبو خليل كما بدأت: مواجهة مفتوحة مع الاحتلال. المناضلة الجنوبية التي اشتهرت بظهورها الهادئ والواثق خلال محاكمتها رحلت في الثمانين، بعدما جمعت بين العمل الفدائي والنشاط الإنساني، تاركةً صورة نادرة لامرأة عبرت الزمن والبندقية والذاكرة حتى الشهادة
ودّع لبنان مها أبو خليل، ابنة الجنوب، وخاطفة الطائرات الأنيقة التي تأخر استشهادها 57 عاماً، بعدما قاومت إسرائيل بالسلاح وهي شابة لم تتجاوز الـ 23 من عمرها، واستمرت في مواجهته عبر العمل المؤسسي حتى بلغت الثمانين حيث رحلت شهيدة في مدينتها صور قبل أيام على إثر عدوان إسرائيلي.
نهاية امرأة شجاعة
نعت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في بيان مساء السبت الماضي «الرفيقة المناضلة التاريخية والأكاديمية والاجتماعية الدكتورة مها أبو خليل»، ابنة بلدة القليلة في قضاء صور في محافظة الجنوب، التي ارتقت على إثر العدوان الصهيوني الغادر على المدينة مساء الجمعة 17 أبريل (نيسان)، قبل دقائق قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، بعدما استهدفت أربعة مبانٍ سكنية سُوّيت بالأرض.
ووصفت الجبهة، في بيانها، مها أبو خليل بأنها شكّلت «نموذجاً للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر والالتزام الوطني والعمل الاجتماعي والتربوي».
ونالت أبو خليل الشهادة على إثر قصف المبنى الذي كانت تقطنه في صور، بعدما رفضت مغادرة أرضها رغم القصف والعدوان. عُرفت أبو خليل بحضورها الدائم في الجنوب اللبناني، حيث بقيت صامدة خلال الحروب الإسرائيلية المتكررة. وبعد يومين على استهداف المبنى السكني، جرى انتشال جثمانها من تحت الأنقاض، حيث بقيت مع سكان المبنى حتى تمكنت فرق الإنقاذ التابعة لكشافة الرسالة من انتشال جثمانها.
وإلى جانب الجبهة، نعت مؤسسات الإمام الصدر الشهيدة مها أبو خليل، مشيرة إلى أنها «أفنت عمرها في خدمة الرسالة الإنسانية للمؤسسات منذ عهد الإمام السيد موسى الصدر، فكانت نموذجاً في الالتزام والتفاني والعطاء الصادق». ويُذكر أنّ الشهيدة تولّت إدارة مكتب العلاقات العامة والإعلام، وأسهمت في تعزيز حضور المؤسسات ورسالتها، كما واصلت مسيرتها الإنسانية عبر عملها الدؤوب في رابطة أصدقاء المؤسسات. واعتبرت مؤسسات الإمام الصدر أنّ برحيلها «تخسر المؤسسات قامةً إنسانيةً ووطنيةً مضيئة، لكن أثرها الطيب ومسيرتها الحافلة سيبقيان حيّين في القلوب والذاكرة».

الكفاح مستمرّ
بعد الإعلان عن استشهادها، تداولت حسابات عدة على منصات التواصل الاجتماعي الفيديو الشهير للمناضلة الجنوبية مها أبو خليل، وهي تدخل قاعة المحاكمة في اليونان عام 1969، وتحيّي الصحافة مرتديةً زياً أنيقاً مع قبعة تشبه أزياء النساء الأوروبيات في تلك الفترة، وربما كانت جزءاً من التخفي خلال العملية.
وقد أشاد كثير من المعلقين بأناقتها وقوتها، حتى بدت لقطات محاكمتها كأنّها مشهد من فيلم سينمائي، لا من عملية فدائية خطيرة. ومن هنا، شاع وصفها بـ«خاطفة الطائرات الأنيقة». وفي المشهد ذاته، يظهر المحامي ووزير العدل السوري محمد الفاضل، الذي تولّى الدفاع عنهم، قبل أن يُغتال لاحقاً عام 1977 أثناء تولّيه رئاسة جامعة دمشق، في حادثة إطلاق نار تبنّتها لاحقاً جماعة الإخوان المسلمين في سوريا.
وكانت مها قد حاولت، مع رفيقين لها في الجبهة هما سامي فوزي عبود وعصام سليم ضومط، خطف طائرة تابعة لشركة «العال» الإسرائيلية في مطار أثينا الدولي في كانون الأول (ديسمبر) 1969، بهدف إبرام صفقة مع تل أبيب تفضي إلى إطلاق سراح أسرى فلسطينيين وعرب من السجون، من بينهم النائب الأردني الأسبق منصور سيف الدين مراد، إضافة إلى «مندوس»، أحد مقاومي الجبهة من الأرمن الذين شاركوا في العمل الفدائي من أجل فلسطين في تلك الفترة.
- مع جورج عبد الله
غير أن المحاولة لم يُكتب لها النجاح، إذ اعتُقل الثلاثة بعد اكتشاف أسلحتهم أثناء محاولتهم الصعود إلى الطائرة المتجهة إلى روما، وعلى متنها 29 راكباً، ووجهت إليهم تهم عدة، من بينها «حيازة متفجرات بشكل غير قانوني». وخضعوا لمحاكمة في اليونان، ظهرت خلالها مها بأناقتها وصورتها الشهيرة، رافعةً شارة النصر.
وأُفرج عنهم عام 1970 ضمن صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، على إثر عملية خطف طائرة يونانية أخرى ناجحة.
ويُذكر أنّ مها أبو خليل تُعد ثاني امرأة تحاول خطف طائرة بعد ليلى خالد، التي نفّذت عمليتين: الأولى عام 1969 وانتهت بنجاح وأفضت إلى تبادل أسرى، والثانية عام 1970 لكنها فشلت، ما أدى إلى اعتقالها لمدة شهر قبل الإفراج عنها ضمن صفقة تبادل. وظهرت أبو خليل لاحقاً، برفقة رفيقيها، في مؤتمر صحافي بعد تحريرهم عُقد في الأردن في آب (أغسطس) عام 1970، حيث شرحت للصحافة هدفهم من محاولة خطف الطائرة، متحدثةً باللغة الإنكليزية بثقة وهدوء، قائلة: «لأنني أؤمن بحق بلدي وشعبي، يجب أن نكافح… قد لا نرى النتيجة خلال سنتين أو ثلاث، وربما أكثر… وربما لا نراها، لكن الكفاح سيستمر».
آخر رسالة… التحرير بالدم
بعد تلك المرحلة، لم تستمر مها في العمل العسكري، بل عادت إلى مدينتها صور، وكرّست حياتها للعمل الإنساني والاجتماعي، مبتعدةً عن الأضواء لسنوات طويلة، ومواصلةً مسيرتها في الميادين الأكاديمية والإعلامية. حصلت على درجة الدكتوراه في الإعلام من جامعات براغ، وعكست تجربتها العلمية في أواخر السبعينيات عمقاً معرفياً وانفتاحاً إنسانياً كبيراً، مما جعلها نموذجاً للمرأة المناضلة والمثقفة في آن واحد.
وتظهر الصورة الأخيرة لمها أبو خليل سيدةً في الثمانين من عمرها، تضع غطاءً على رأسها، وهي تستقبل أحد رفاق النضال، جورج إبراهيم عبد الله، بعد الإفراج عنه من السجون الفرنسية. ويبدوان في الصورة متعانقين، في مشهد يوحي بأنّ النضال يتحوّل إلى ثقافة ورابطة تتجاوز الحدود، وكأن الكفاح المسلح ميثاقٌ وعهدٌ بين أصحابه.
بعد نضالها العسكري، عادت إلى مدينتها صور وكرّست حياتها للعمل الإنساني والاجتماعي
بهذا المعنى، نعتها كل مؤسسات الإمام السيد موسى الصدر و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في نعي يتجاوز الانتماء والهوية الدينية. كما تداول آخرون صورةً لها وهي شابة مع المناضل وديع حداد، أحد أشهر قادة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي عملت مها تحت قيادته، وشاركت ابنته صورة لمكتبة منزلهم تحتفظ بصورة مها مع والدها فيها.
آمنت أبو خليل باكراً بأنّ القضية الفلسطينية هي قضية قومية وإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، مما دفعها إلى المشاركة في عمليات نوعية هزت الرأي العام العالمي آنذاك. وفي أيامها الأخيرة، حرصت أبو خليل على التواصل مع شخصيات وتيارات مختلفة، وسعيها إلى تسجيل موقفها من الحياة ومقاومة إسرائيل، وهو ما تجلّى في رسالتها: «كل الأشياء تُباع وتُشترى بالعملة نفسها، إلا الوطن؛ يُباع بالخيانة ويُشترى بالدم»، وقد أرسلتها إلى عدد من رفاقها ومَن كان على تواصل معها.
وهذه الكلمات، المقتبسة من تشي غيفارا، كانت آخر ما كتبته المناضلة اللبنانية قبل أن تُغتال بقصف استهدف مدينة صور. وقد نقلها ابن عمها حسن أبو خليل، الذي نعاها عبر حسابه على فايسبوك يوم السبت الماضي، كاتباً: «قبل ساعات من رحيلها، أرسلت كلماتها التي تختصر حياتها وموقفها».
كما كتب الناشط اللبناني محمد نقري: «كنت أنتظر رسالتها الصباحية كل يوم، وقد أرسلت لي صباح الخميس الماضي مقولة غيفارا: كل الأشياء تُباع وتُشترى بالعملة نفسها، إلا الوطن؛ قد يُباع بالخيانة ولا يُشترى إلا بالدم». ويبدو أنّ مها اشترته بالدم والعمل المقاوم والإنساني.



