
كتب أكرم بزي-الحوارنيوز
أحدثت الطائرات المسيرة الانتحارية التي يستخدمها المقاومون في لبنان حالة من الإرباك الشديد والذهول في أروقة المؤسسة العسكرية والأمنية للكيان، حيث برزت كأداة قتالية غير تقليدية تعتمد على مكونات بسيطة وتقنيات متاحة تجاريا، ومع ذلك استطاعت بكل براعة تجاوز المنظومات الدفاعية الأكثر تطورا في العالم.
فبواسطة شريط لاصق يلتف حول الدائرة الكهربائية للصاعق وثلاثة مرابط بلاستيكية فقط أحدثت هذه المسيرة ضجيجا هائلا في وعي قادة الاحتلال، وأفشلت أعقد أنظمة التشويش والحماية السلبية والنشطة كمنظومة “تروفي” التي تبلغ تكلفتها ثلاثمئة ألف دولار والمخصصة لحماية دبابات الميركافا ذات الخمسة ملايين دولار، إذ وجدت هذه التكنولوجيا الباهظة الثمن نفسها عاجزة تماما أمام شبح طائر صغير ينقض من زوايا ميتة لا تلتقطها الرادارات ولا تعطلها موجات الحرب الإلكترونية.

وقد وصفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية هذه المسيّرات بأنها التهديد الأخطر الذي يواجه القوات العسكرية في الوقت الراهن، معتبرة أن جيش الاحتلال يواجه تحديا غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة، بينما صرح المحلل العسكري آفي أشكنازي عبر صحيفة “معاريف” بأنها أسلحة فتاكة ستجبر الجيش على إعادة النظر في كامل استراتيجيته الدفاعية وإيجاد حل جذري لها بعدما خلق استخدامها حالة من المفاجأة والصدمة في ساحة المعركة. كما أقر المراسل العسكري إيمانويل فابيان في صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بأن القوات الإسرائيلية لا تملك حتى الآن أي دفاع مناسب ضد هذه الطائرات، خاصة تلك الموجهة عبر الألياف البصرية كونها لا تعتمد على الإشارات اللاسلكية، وهو ما أكدته القناة الثانية عشرة العبرية برصد تحول جوهري في تكتيكات الميدان حيث أصبحت هذه المسيرات سلاحا مركزيا يتفوق بفاعليته على الصواريخ التقليدية.
ولم يتوقف أثر هذا السلاح عند الجانب الميداني وتدمير الآليات، بل امتد ليصيب الهيكل السياسي للكيان بالاضطراب والتراجع، ما دفع وزير الخارجية غدعون ساعر المنتمي لليمين المتطرف والمشهور بمواقفه التوسعية للتصريح بأنهم لا يملكون أطماعا في البقاء داخل لبنان، وأن وجودهم هناك ليس إلا إجراء مؤقتا سيعقبه انسحاب، في اعتراف ضمني بصعوبة الاستمرار في معركة تستنزف هيبة الجيش الذي كان يوصف بأنه لا يقهر، حيث تتبخر كل تلك الادعاءات أمام هذه الإمكانات البسيطة التي يقل ثمنها عن سبعمئة دولار، فهي لا تتجاوز في تكوينها أربعة محركات وبطارية ليثيوم بسعر مئتي دولار وجهاز إرسال فيديو ووحدة تحكم وكاميرا بقيمة أربعمئة دولار وزوجين من المراوح وقذيفة، يضاف إليها لاصق ومرابط بقيمة زهيدة، ثم تنطلق لتصيب مقتلا في قلب المنظومة الأمنية، مؤكدة بوضوح أن القوة التي تعتمد على الغطرسة التقنية هي في حقيقتها أوهن من بيت العنكبوت.
إن هذا السلاح النوعي الذي بات يطارد الجنرالات في كوابيسهم يعكس عبقرية المقاومة في تطويع الموارد المحدودة لخلق توازن ردع حقيقي، حيث تحولت هذه اللعب الإلكترونية إلى صواريخ جوالة ذكية تلاحق الجنود داخل تحصيناتهم وتقتنص الدبابات من أضعف نقاطها، ما جعل جنرالات العدو في حالة من العجز التقني والعملياتي، فكلما حاولوا تطوير منظومة اعتراض جديدة واجهتهم المقاومة بتعديل بسيط في هذه المسيرات يجعل كل تلك التحديثات بلا قيمة، لتظل هذه الطائرة البسيطة بشريطها اللاصق ومرابطها البلاستيكية شاهدا حيا على انكسار هيبة التكنولوجيا أمام إرادة التحدي، ومسمارا جديدا يدق في نعش أسطورة الجيش الذي زعم يوما أنه يمتلك أقوى دروع الأرض، فإذا به يسقط أمام سلاح لا تزيد قيمته عن قيمة وجبة عشاء فاخرة في تل أبيب.



