بُقعةُ الحبرِ في واشنطن: اتفاقٌ يُهرِّبُ الحربَ إلى الداخلِ اللبنانيّ (إبراهيم عميس)
" طرفٌ مُكبَّلٌ بالوضوح، وطرفٌ مُحرَّرٌ بالغموض"

بقلم د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز
قُدِّمَ اتفاقُ الإطار الثلاثيّ إلى العالم بوصفه خطوةً أولى نحو السلام. غير أنّ القراءةَ المتأنّية تكشفُ أنّه أقربُ إلى اختبارٍ نفسيّ منه إلى تسوية: أقربُ إلى بقعةِ حبرٍ منه إلى عَقد.
اختبارُ رورشاخ- Rorschach test، الذي ابتكره الطبيبُ النفسيّ السويسريّ هرمان رورشاخ في عشرينيّات القرن الماضي، يعرضُ على الفاحَص سلسلةً من بُقَعِ الحبر المتناظرة التي لا تحملُ معنىً ثابتًا. وما يزعمُ الناظرُ أنّه يراه يُفترَضُ أن يكشفَ ما في داخله هو، لا ما في الصورة. وقد صارت العبارةُ تُستعملُ كنايةً عن كلّ شيءٍ بلغ من الإبهام حدًّا يجعلُ الناظرين يُسقطون عليه توقّعاتِهم اكثرَ ممّا تُفسّرُ الشيء. وهذا الاتفاقُ بقعةُ حبرٍ من هذا الطراز تمامًا. بنودُه العاملةُ مؤجَّلةٌ إلى مُلحَقٍ أمنيّ لم يُكتَب بعد، ومُهَلُه الزمنيّةُ فراغاتٌ معلّقة، ووعدُه المركزيّ “السيادة” غيرُ مُعرَّفٍ في الممارسة. لذا يستطيعُ كلُّ فريقٍ لبنانيّ أن يُحدّقَ في الموادّ الأربعَ عشرةَ نفسِها فيرى فيها بالضبط ما كان ينتظرُه.
هناك معسكرُ يرى استعادةَ حصرِ السلاح بيدِ الدولة، وانسحابًا إس.رائ.يليًّ.ا، ومالَ إعمار.
وبيئةُ أهلِ الأرضِ تراهُ استسلامًا؛ فهي بقوّتِها الرادعُ بعينِه، رادعٌ وقّعَ على التخلّي عنه سفراءُ في واشنطن، وتُركت العاقبةُ لمن لم يجلس إلى الطاولة. والوثيقةُ لا تُصالحُ بين هاتين القراءتين، بل تعكسُهما، فتنفرزُ انفرازًا شبهَ تامٍّ على خطوطِ الانقسامِ الطائفيّ والسياسيّ القائمةِ في البلاد.
غير أنّ الخطرَ الأعمقَ هو بنيويٌّ لا تأويليّ. فالاتفاقُ، إذ يُسمّي سل.احَ مق.او.مة لبنانيّةٍ بعينها لنزعِه، ويشترطُ أن تتحرّكَ الدولةُ ضدّها أوّلًا قبل أن يُفعَّلَ أيُّ انسحابٍ. هذا المنطق يحلُّ النزاعَ اللبناني الإس.را-ئي،ليّ بقدرِ ما يُعيدُ تموضُعَه. إنّه يُحوّلُ المواجهةً إلى حرب بين اللبنانيّين. وبنودُ نزعِ السلاح، في هذا الضوء، أقربُ إلى فتيلٍ منها إلى طريقٍ نحو السلام. فهي تُكلّفُ السلطة اللبنانية إكراهًا لم تقوَ عليه يومًا: إرغامَ مكون اساسي ،استمد قوته وطورها بسبب قساوة الزمن عليه، له بيئتُه الشعبيّة وراعيه الإقليميّ ومقاعدُه في البرلمان على تسليمِ سلاحه.
ويتجلّى هذا الاختلالُ في صياغةِ الالتزاماتِ ذاتِها. فما يُطلَبُ من لبنان واضحٌ صريحٌ قابلٌ للقياس: نزعُ السلاح، ضبطُ الحدودِ والمرافئِ والمطارات، حصرُ القوّةِ بيدِ الدولة، قبولُ التحقّقِ تحت رئاسةٍ أميركيّة. التزاماتٌ مرسومةٌ بدقّةٍ، مُقدَّمةٌ في الزمن، يسهلُ أن يُقالَ متى أُنجزت ومتى أُخِلَّ بها. أمّا ما يُطلَبُ من إس.رائ.يل فمبهمٌ معقّدٌ مشروط: انسحابٌ “تدريجيّ” مرهونٌ بـ”تحقّق”، ومُعلَّقٌ على مُلحَقٍ أمنيّ لم يُكتَب، ومُقيَّدٌ بحقِّ “الدفاعِ عن النفس” الذي تُركَ مفتوحًا. وهذا الإبهامُ ليس نقصًا في الصياغة، بل هو الصياغةُ في جوهرِها: فهو يمنحُ إس..رائ،،يلَ، في كلِّ طورٍ، ذريعةً جاهزةً لتعليقِ الانسحابِ بدعوى أنّ التحقّقَ لم يكتمل، أو للتدخّلِ من جديدٍ عند أصغرِ عقبة. يُحمَّلُ لبنانُ واجباتٍ محدّدةً يُحاسَبُ على أيِّ تقصيرٍ فيها، وتُمنَحُ إ.سر،ائ.يلُ التزاماتٍ ضبابيّةً تُبرِّرُ لها ألّا تُنفِّذَ شيئًا لا انسحابًا ولا كفًّا عن التدخّل كلّما شاءت أن تجدَ لذلك مسوّغًا.
بكلمةٍ، يُختصَرُ هذا الاتفاقُ في معادلةٍ واحدة: طرفٌ مُكبَّلٌ بالوضوح، وطرفٌ مُحرَّرٌ بالغموض. وهنا بيتُ القصيد؛ فالتفاوتُ ليس في النصِّ وحدَه، بل في مَن جلسَ إلى الطاولة: مفاوضٌ محنّكٌ فطنٌ يعرفُ كيف يصوغُ التزامَه ضبابًا ويصوغُ التزامَ خصمِه قيدًا، في مواجهةِ مفاوضٍ هاوٍ غِرٍّ يحملُ إلى الطاولةِ عقليّةَ المُستسلِمِ قبل أن تبدأَ الجولة. ومن التقى فيهما هكذا، عُرفت النتيجةُ قبل أن يجفَّ الحبر.
ويمكنُ قراءةُ البنيةِ على أنّها صُمِّمت لتُنتجَ هذا التحويلَ بالذات. فإذا ما انقلب النزاعُ إلى الداخل، نالت إس-رائي.لُ حريّةَ الحركةِ داخل لبنان فيما تتجرّعُ الفصائلُ اللبنانيّةُ كلفةَ اقتتالِها فيما بينها. والاتفاقُ لا يُخفي هذا، بل يُؤسِّسُ له. فهو يضعُ هيئةَ تنسيقٍ برئاسةٍ أميركيّةٍ فوق كاملِ مسارِ التنفيذِ والتحقّق، ويجعلُ إس-رائي-لَ طرفًا منسِّقًا في إعادةِ هيكلةِ الأمنِ الداخليّ اللبنانيّ. وما إن يُزاحَ النزاعُ إلى الداخل، حتى لا يعودُ مستغرَبًا أن نرى إ.سر.ائي،لَ تُسانِدُ علنًا سلطاتٍ أو فصائلَ لبنانيّةً بعينها لا في الخفاء، بل تحت غطاءِ بنودِ الاتفاقِ نفسِه، فيما يُعادُ تشكيلُ التوازنِ الداخليّ لمصلحتها. النصُّ يُوفّرُ الآليّةَ التي يتحوّلُ بها خصمٌ خارجيّ إلى شريكٍ مُعلَنٍ في طرفٍ من أطرافِ إعادةِ الاصطفافِ اللبنانيّ الداخليّ.
وكلُّ إنسانٍ يُقاربُ الوثيقةَ بقدرٍ من الموضوعيّةِ والتبصُّر سيُدركُ ما يعنيه هذا.
فالاتفاقُ يُزيحُ مركزَ النزاعِ من الحدودِ إلى الداخل، ويُنصِّبُ الطرفَ الذي طلب لبنانُ انسحابَه أصلًا مُعينًا وضامنًا لأيِّ سلطةٍ لبنانيّةٍ تتولّى القتالَ الداخليّ. ولا يحتاجُ المرءُ أن يكونَ استراتيجيًّا ليرى شكلَ المسألة؛ يكفيه أن يقرأ ما على الصفحة، وأن يسألَ: مَن يتحرّكُ أوّلًا، ومَن ينتظر، ومَن يجني ثمارَ الانتظار.
باختصار، فأنّ الاتفاقَ يُزيحُ النزاعَ إلى الداخل، وأنّ في ذلك خطرًا حقيقيًّا من فتنةٍ داخليّة، أمرٌ يتبعُ مباشرةً من بنيتِه. نستدل من الاتفاق: إزاحةَ مُصمَّمةٌ عمدًا كي تتحرّكَ إس.رائي.ل بحريّةٍ وتُسانِدَ علنًا وكلاءَ لبنانيّين. إذ يمكنُ تفسيرُ التسلسلِ نفسِه، على نحوٍ أكثرَ حُسنَ ظنٍّ، بأنّ إ.سر.ائي-لَ تُصِرُّ ببساطةٍ على ضماناتِها الأمنيّةِ قبل أن تتخلّى عن الأرض. لكنّ حُسنَ الظنِّ ليس السذاجةَ بعينها. فحين يطلبُ إطارٌ من أمّةٍ أن تُشظِّيَ ذاتَها أوّلًا، على وعدٍ بقيت بنودُه غيرَ مكتوبة، ويُنصِّبُ الخصمَ شريكًا في صياغةِ التحقّقِ الذي يحكمُ كلَّ خطوة، فإنّ عبءَ الإثباتِ ينقلب. ومن حقِّ القارئِ المتبصِّرِ أن يفترضَ أنّ البنيةَ اختيرت اختيارًا، لا أنّها وُقِعَ فيها مصادفةً.
ومن الحكمةِ أن يستجمعَ كلُّ عاقلٍ كاملَ بصيرتِه ليرى الأمورَ على حقيقتها العارية، لا كما تُزيِّنها التصريحاتُ ولا كما يُهوّنُها المتفائلون. فالبوصلةُ واحدةٌ لا تتعدّد، مهما تكاثرت القراءاتُ وعلا ضجيجُ المنابر: كرامةُ لبنانَ وجنوبِه، وحقنُ دماءِ أبنائه. هذه هي الزاوية التي يُقاسُ إليها كلُّ بندٍ وكلُّ وعد، وما خالفها فمردودٌ مهما تزيّا بلباسِ السلامِ والسيادة.
ولندرك أنّ ما جرى في واشنطن ليس خاتمةً بل افتتاح. توقيعٌ تحت الأضواءِ لا يُنهي حربًا، إنّما يفتحُ مشروعًا طويلًا قابلًا في كلِّ منعطفٍ لأن يتأجّجَ ويخرجَ عن السيطرة، لا سيّما حين تنقلبُ “السيادةُ” من حقٍّ يُمارَسُ لذاتِه إلى وظيفةٍ تُؤَدَّى لخدمةِ غرضِ سواها، وحين تَنحدرُ الدولةُ إلى أداةٍ طيّعةٍ في يدِ من رسمَ لها مسارَها وحدَّد لها وجهتَها. عندئذٍ لا يكونُ الاتفاقُ سلامًا، بل تأجيلًا لحربٍ بصيغةٍ أخرى، وفي ساحةٍ أخرى، بين أبناءِ البيتِ الواحد. فلنُبقِ العينَ مفتوحةً، والبوصلةَ ثابتةً، والذاكرةَ حاضرةً؛ فإنّ الأوطانَ لا تُحفَظُ بحُسنِ الظنِّ وحدَه، بل باليقظةِ التي لا تنام.



