استئناف التصدير إلى السعودية: نافذة إنعاش للاقتصاد اللبناني أم اختبار استقرار جديد؟

كتبت زينب عوالي – الحوارنيوز

يشكل إستئناف التصدير من لبنان إلى المملكة العربية السعودية نقطة تحول استراتيجية للاقتصاد اللبناني المنهك، فهو لا يقتصر على البعد التجاري المباشر ، بل يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل تموضع لبنان الاقتصادي في محيطه العربي.
هكذا وصف الخبير الإقتصادي عماد عكوش المشهد في تصريحٍ خاص لـ “الحوار نيوز”. فبعد إنقطاعٍ دام لـ 5 سنوات عن الحضن العربي تم إعلان إستئناف التصدير من لبنان إلى المملكة العربية السعودية في 4 حزيران 2026 ،بناء على طلب رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام. وفي السياق أكدت إدارة واستثمار مرفأ بيروت جهوزيتها الكاملة لمواكبة قرار استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، بما يضمن انسياب حركة التصدير بكفاءة عالية ووفق أعلى معايير الرقابة والامتثال والشفافية في إدارة العمليات والبضائع.

أما في ما يتعلق بالأبعاد الإقتصادية لهذه الخطوة فقال عكوش إن هذا القرار سيعيد الروح للقطاعين الزراعي والصناعي خاصة الصناعات الغذائية ، ما ينعكس إيجاباً على سلسلة القيمة بأكملها ، المزارع ، المصانع، التغليف، التوضيب، قطاع النقل، والتأمين ويساهم في تحريك عجلة القطاعات الإنتاجية.
ويُعتبر هذا القرار أيضاً بـ “طوق نجاة” للمزارعين حيث قال عكوش إنه خلال سنوات الحظر، قام العديد من المزارعين اللبنانيين بتغيير استراتيجياتهم وتكثيف زراعة محاصيل عالية الجودة ومخصصة للتصدير (مثل الأفوكادو، العنب، الكرز، التفاح، والحمضيات). وإغلاق السوق الخليجي أدى إلى تكدس هذه المنتجات وانهيار أسعارها محلياً، فيما فتح السوق السعودي سيعيد هوامش الربح الحقيقية التي تسمح للمزارع بسداد قروضه والاستمرار في الإنتاج. وأضاف أن عودة التصدير تعني تدفق ملايين الدولارات (العملة الصعبة) مباشرة إلى شرايين الاقتصاد المنهك، ما يعزز ميزان المدفوعات ويخفف الضغط عن سعر صرف الليرة المتبقي.
ورأى عكوش أنه يمكن للبنان الاستفادة القصوى من هذا القرار، وذلك لضمان استدامة هذا الانفتاح وعدم تكرار أزمات الماضي ، لكن هذه الاستدامة تحتاج الى عدة امور منها :
- الصرامة الأمنية المطلقة : استمرار وتعزيز الرقابة الصارمة على المعابر الحدودية سواء منها البرية ، البحرية ، والجوية وذلك لمنع أي محاولات لتهريب الممنوعات ، لأن أي خرق جديد قد يؤدي إلى إغلاق نهائي.
- رفع جودة المنتجات : الاستثمار في تحسين مطابقة المنتجات اللبنانية لمعايير الجودة الخليجية، لتعويض سنوات الغياب والمنافسة الشرسة في السوق السعودي.
- تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية : استخدام هذا القرار كرافعة للطلب من السعودية ودول الخليج استئناف الاستثمارات المباشرة في لبنان، ورفع الحظر عن سفر مواطنيها إليه لدعم القطاع السياحي.
وفي ما يتعلق بأبعاد هذا القرار وإذا ما كنا سنشهد عودة قريبة للمنتجات اللبنانية في أسواق الخليج قال عكوش إنه من المرجح جداً أن نشهد قرارات مماثلة لبقية دول الخليج قريباً حيث انه تاريخياً تمثل المملكة العربية السعودية “البوصلة” الدبلوماسية والاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي في ما يخص الملف اللبناني، وعندما فرضت السعودية حظرها في عام 2021 ، حذت دول خليجية أخرى حذوها.
وأضاف أن الموافقة السعودية اليوم تعمل كـ “شهادة أمان” (Security Clearance) للمنتجات اللبنانية. وبمجرد إثبات نجاح الإجراءات اللبنانية في المعابر المتجهة للسعودية ، ستشعر باقي العواصم الخليجية بالإطمئنان لفتح أسواقها مجدداً.
أما بالنسبة لموضوع آفاق التعاون الإقليمي المتعدد الأبعاد أوضح عكوش أن الانفتاح التجاري هو الخطوة الأولى في مسار أطول، حيث إذا نجح لبنان في تحصين هذا القرار ومنع أي انتكاسات أمنية ، فإن هذا يمهد الطريق لانخراط إقليمي أوسع من خلال عدة امور منها :
- الاستثمارات المباشرة: قد نرى عودة تدريجية للصناديق الاستثمارية العربية لدعم البنى التحتية (كالطاقة المتجددة وإدارة الموانئ).
- السياحة المشروطة: الاستقرار الأمني والتجاري يمهد لرفع حظر السفر عن المواطنين الخليجيين، وهو ما يعتبر المحرك الأقوى للقطاع السياحي اللبناني.
- الاندماج في الرؤى الاقتصادية: يمكن للبنان أن يجد لنفسه دوراً في المبادرات التنموية الكبرى في المنطقة (مثل رؤية السعودية 2030) من خلال تصدير الكفاءات المهنية والخدمات التكنولوجية المتخصصة.
وفي ما يتعلق بالضمانات الأمنية التي تم تقديمها على سبيل التعاون سواء كانت لوجستية اوأمنية صارمة (مثل تشغيل أجهزة المسح الضوئي “السكانر”، وتشديد رقابة الجيش والجمارك لتجفيف منابع تهريب الكبتاغون والممنوعات) أشار عكوش إلى أنها تحدث نقلة نوعية في العلاقات اللبنانية-السعودية، وهي يمكن ان تكون أساسا في بناء شراكة مبنية على المساءلة حيث يمكن ان تنتقل العلاقة من مربع “الدعم المالي المفتوح” إلى مربع “الشراكة المؤسساتية المراقبة”. الثقة لم تعد تُمنح مجاناً، بل تُبنى على التزام فعلي ونتائج ملموسة. هذا الامر سيؤدي حتماً الى استدامة العلاقات فوجود بروتوكولات أمنية شفافة يحمي التبادل التجاري من الهزات السياسية اليومية. وطالما أن الجانب التقني والأمني يعمل بكفاءة، سيستمر تدفق البضائع دون انقطاع.
من هنا، وبخطوةٍ جاءت في ظلِّ ما يشهده لبنان من إنهيارٍ اقتصاديٍّ دامٍ وحربٍ عدوانيّةٍ شرسةٍ أنهكت أراضيه ومحاصيله الزراعيّة، هل يمكن القول إنّ هذه الخطوة ستُعيد لبنان “سويسرا الشرق” من جديد، أم أنّها مجرّد التفافٍ عربيٍّ مُضلِّل؟



