بين النبضة والنية: كيمياء القرار من الفكرة إلى الإدمان-القهوة، الشاي، التدخين، الكحول (ابراهيم عميس)

كتب د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز
كيف يمكن لفكرة عابرة أن تدفعنا إلى ساعات من العمل، بينما نعجز أحيانًا عن البدء بمهمة نعرف أهميتها؟ وماذا يتغيّر داخل دماغنا عند تناول القهوة، أو الشاي، أو التدخين، أو الكحول؟
في المقال الأول، رويت كيف خطرت لي، بعد الفطور، فكرة شراء أدوات وترتيب الحديقة بنفسي، رغم أنني اعتدت الاستعانة بشخص آخر. تحوّلت تلك الفكرة إلى ساعات من تقليم الأشجار وقصّ العشب والتنظيف.
القرار لم يولد بالضرورة في لحظة ظهوره. ربما سبقته استعادة لصورة الحديقة، وتخيّل لنتيجتها، ومقارنة بين الراحة والجهد والمال والرضا عن الإنجاز. أسهم الحُصين (Hippocampus) في استحضار الذكريات، وشبكات القشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex) في التقييم والتخطيط، والعقد القاعدية (Basal Ganglia) في اختيار السلوك وبدئه.
وفي ذلك الصباح، رجحت كفة العمل.

أما في المقال الثاني، فتناولنا التسويف (Procrastination): أن نعرف ما يجب فعله، ثم نمسك الهاتف ونؤجله. قد تبدو المهمة مرهقة أو غامضة، بينما يمنحنا تجنبها راحة فورية. ومع التكرار، يتعلم الدماغ أن التأجيل يخفف الانزعاج، فيما تبقى فائدته المستقبلية بعيدة.
في الحالتين، هناك مفاضلة بين احتمالات: أن أبدأ العمل، أو أؤجله، أو أستريح. وكل خيار يحمل مكاسب وتكاليف، ثم يرجّح الدماغ أحدها ويتحول إلى فعل.
لكن كيف تجري هذه العملية داخل خلية صغيرة لا تعرف معنى «حديقة» أو «واجب»؟
بعض الإشارات يقرّبها من إطلاق نبضة، وبعضها يلغيها. تدمج الخلية هذه الإشارات عبر تفرعاتها وجسمها، فإذا بلغ الجهد عند بداية المحور عتبة الإطلاق، تنفتح قنوات الصوديوم Sodium channel المعتمدة على الجهد، وتنطلق نبضة تُسمّى جهد الفعل (Action Potential).
يمكن تشبيهها بشرارة، لكنها ليست احتراقًا؛ إنها تغيّر كهربائي سريع ينتقل على طول المحور. وعند نهايته، تُفتح قنوات الكالسيوم، فتحفّز إطلاق نواقل عصبية تصل إلى خلايا أخرى.
هكذا تتواصل الخلايا: كيمياء تغيّر الكهرباء، وكهرباء تطلق الكيمياء.
لكن أين الفكرة، أو القرار، من كل ذلك؟
الفكرة ليست نبضة عصبية واحدة (action potential or neural impulse)، بل نمطًا من النشاط موزعًا بين شبكات مترابطة من الخلايا. ويعتمد هذا النشاط على ما يمكن تشبيهه بـ«بنك من المعلومات» بناه الدماغ عبر التعلم والممارسة والخبرات السابقة. ولا يُخزَّن هذا البنك في منطقة واحدة، بل يتمثل في روابط وأنماط نشاط موزعة في أنحاء الدماغ.
وعندما نواجه موقفًا جديدًا، يستحضر الدماغ الخبرات المرتبطة به ويعيد بناءها، ثم يدمجها مع حالتنا الراهنة من تعب أو رغبة أو خوف، ومع ما نتوقعه من مكافأة أو خسارة. لكنه لا يكتفي بالرجوع إلى الماضي؛ فالخيال يؤدي دورًا أساسيًا أيضًا. إذ يستخدم الدماغ عناصر من ذكرياتنا ليبني مشاهد لمستقبل محتمل، فتساعد شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) والحُصين (Hippocampus) والقشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex) على تصور النتائج قبل حدوثها.
قد نتخيل النجاح والراحة والرضا بعد إنجاز المهمة، فترتفع قيمتها ويزداد استعدادنا للبدء. وقد نتخيل التعب أو الفشل أو صعوبة العمل بصورة مبالغ فيها، فترتفع كلفته المتوقعة ويصبح تجنبه أو تأجيله أكثر احتمالًا. وهكذا تتشكل الفكرة والقرار من تفاعل الخبرة الماضية، والحالة الراهنة، والمستقبل الذي يتخيله الدماغ، وتتغير تبعًا لذلك القيمة التي يمنحها لكل خيار.
من هذا المنطلق، يمكن فهم بعض القرارات بوصفها منافسة تتعزز فيها الإشارات المؤيدة لخيار، بينما تتراجع البدائل، حتى تُترجم الغلبة إلى سلوك.
لا يفوز جهد فعل منفرد، ولا توجد خلية تقول: «انهض واعمل». القرار ينشأ من تفاعل الشبكات، ويستطيع التفكير الواعي أن يراجع الخيارات ويغيّر مسارها.
فماذا يحدث حين تدخل إلى هذه المنافسة مادة كيميائية قادرة على تغيير نشاط المستقبلات (Receptors) والنواقل العصبية (Neurotransmitters)؟ إنها لا تخلق خيارات جديدة، بل تعيد ترجيح كفة الخيارات القائمة أصلًا. وهنا تبدأ مشاهد نعرفها جميعًا من حياتنا اليومية.
١- لنتخيّل شخصًا يستيقظ صباحًا بخطوات بطيئة، يسمع من حوله لكنه يجيب بكلمات مقتضبة، وكل ما يقوله: «دعوني أشرب قهوتي أولًا». يعدّها وكأنها أول مهمة حقيقية في يومه، وقبل الرشفة الأولى يبدأ شعوره بالتغيّر؛ فالرائحة والدفء والكرسي المعتاد أصبحت جزءًا من طقس يعرفه دماغه جيدًا. وبعد قليل يقول: «الآن استيقظت». فهل منحته القهوة طاقة جديدة، أم خففت إحساسه بالتعب؟ وهل كان ما ينقصه الكافيين، أم النمط الذي ارتبط في ذاكرته ببداية اليوم؟
٢- وفي منزل آخر، بعد الغداء، يقول أحدهم: «نحتاج الآن إلى الشاي». يصل الشاي فتطول الجلسة، ويشعر شاربه بالراحة، وربما يظن أنه يساعده على الهضم، وقد لا يكون محتاجًا إليه أصلًا، لكنه اعتاد أن ترتبط نهاية الوجبة بذلك الطعم وتلك اللحظة الهادئة. لم يعد الشاي شرابًا فحسب، بل إشارة تقول للدماغ: انتهى الطعام وبدأت الراحة.
٣- أما المشهد الأكثر وضوحًا، فنراه أحيانًا خلال شهر رمضان. يجلس شخص اعتاد القهوة والتدخين إلى مائدة الإفطار بعد ساعات طويلة من الصيام، وقد عانى خلال النهار من الصداع أو صعوبة التركيز. يفطر، ويسأل مسرعًا: «هل أصبحت القهوة جاهزة؟»، ثم يشعل سيجارته ويسحب نَفَسًا عميقًا، ويشعر بأن التوتر بدأ يتراجع، وكأن شيئًا ناقصًا قد عاد إلى مكانه. لكن ما الذي عاد بالضبط؟ هل حصل على متعة جديدة، أم تخلّص من انزعاج سببه غياب الكافيين والنيكوتين خلال النهار؟
مع التكرار، يتعلم الدماغ أن يجمع القهوة والسيجارة في مشهد واحد؛ يصبح الفنجان مقدمة متوقعة للتدخين، وتصبح السيجارة تكملة له. وقد يظن المدخّن أنه اختارها بحرية كاملة، بينما تكون الرائحة والمكان والوقت قد بدأت جميعها بإعداد القرار قبل أن ينتبه إليه.
٤- ثم لنتخيّل شخصًا يصل إلى سهرة مع أصدقائه. يجلس بهدوء في البداية، ويستمع أكثر مما يتحدث. ثم يبدأ بتناول الكحول. بعد فترة، يشعر بأنه أصبح أكثر ارتياحًا، يضحك بسهولة، ويتحدث بصوت أعلى، ويقول في نفسه: «الآن أصبحت أكثر اجتماعية وثقة». لكن مع استمرار الشرب، قد يقاطع الآخرين، أو يرسل رسالة كان سيتراجع عنها لو انتظر قليلًا، أو يوافق على تصرف كان سيرفضه في حالته المعتادة. وحين يزداد الثمل، يتلعثم كلامه، وتتأخر استجابته، ومع ذلك يصر: «أنا بخير، وأعرف تمامًا ما أفعله».
وهنا تكمن المفارقة الأدق: الحَكَم الذي تراجع هو نفسه الأداة التي كان يفترض أن تكتشف تراجعه.
هذه التجارب ليست متطابقة عند الجميع؛ فقد يبحث أحدهم عن اليقظة، وآخر عن الهدوء، وثالث عن الجرأة أو الاندماج الاجتماعي. لكن المشترك بينها أن مادة كيميائية دخلت إلى الدماغ، والتقت بذاكرة وعادة وتوقع وحالة نفسية، ثم غيّرت نشاط الخلايا العصبية، وما يشعر به الإنسان، وما يمنحه من قيمة لكل خيار.

في المقالات التالية، سنتتبع تأثير :
١- الكافيين (Caffeine) الموجود في القهوة والشاي الذي يحتوي أيضًا على الثيانين (L-theanine).
٢- النيكوتين (Nicotine).
٣- علاقة التدخين بفنجان القهوة.
٤- وأخيرًا الكحول (Alcohol) وتأثيره في الكبح والذاكرة وتقدير المخاطر.
وسنرى كيف تؤثر هذه المواد في النواقل العصبية neurotransmitters ، وكيف يمكن لتغيّر كيميائي صغير أن يجعل الإنسان يشعر بأنه استيقظ، أو هدأ، أو أصبح أكثر جرأة، أو اختار قرارًا لم يكن ليختاره في حالته المعتادة.
انتظرونا…..



