
كتب د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
يعتقد كثير من المحللين والسياسيين أن حظوظ نتنياهو في البقاء على كرسي رئاسة الوزراء قد أصبحت صعبة للغاية. ويستند معظمهم في ذلك إلى تقدم حزب “يش عتيد” برئاسة غادي آيزنكوت على الليكود في عدد النواب الذين سيحصل عليهم في الانتخابات المقبلة، ما يجعل آيزنكوت المرشح الأول لتشكيل الحكومة الثامنة والثلاثين من عمر الكيان الصهيوني.
والأمر الآخر أن آيزنكوت شخصياً يتفوق على نتنياهو في مؤشر الملاءمة لرئاسة الحكومة بفارق واسع نسبياً. ومع صحة هذين الافتراضين، فإن ذلك لا يعني حكماً أن آيزنكوت سيشكل الحكومة المقبلة.
إن أهم عامل في تشكيل الحكومة، هو قدرة المرشح على جمع ائتلاف يؤمن بموجبه الغالبية المطلقة في الكنيست. وهذا يعني أنه حتى لو لم يحصل حزب الليكود على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، فإن نتنياهو يمكن أن يبقى رئيساً للحكومة الجديدة، إذا استطاع تأمين أغلبية مطلقة في الكنيست الصهيوني.
لا يبدو على نتنياهو الخوف مما تحمله الانتخابات المقبلة، فهو قد تأقلم مع أن حزبه الليكود سيخسر عدداً من المقاعد في الكنيست، وأن ذلك سيؤثر حكماً على بقائه على رأس الحكومة الصهيونية الجديدة. لكنه كالعادة حين يربح يعرف كيف يربح، وحين يخسر يعرف كيف يخسر. وفي قرارة نفسه يردد المثل القائل: “من يضحك أخيراً يضحك كثيراً”.
تساهم عدة نقاط في حظوظ نتنياهو لتشكيل الحكومة الصهيونية المقبلة:
النقطة الأولى: أنه ينطلق من كتلة نيابية متراصة، وهي مجموع الأحزاب التي تشكل ائتلافه الحالي. وهي أحزاب: “شاس، يهدوت هتوراه، عوتسما يهوديت، الصهيونية الدينية، وحزب نعوم”. هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة تشكل قوة نتنياهو الأساسية، وهي لن تتخلى عنه بسهولة. وحتى لو تقلّص عدد نواب هذا التكتل إلى الخمسين نائباً، فإن ما يبقى على نتنياهو تأمينه هو عشرة نواب من خارج هذا التكتل. فهل يستطيع ذلك؟
النقطة الثانية: أن الأحزاب المعارضة لنتنياهو تتشكل من مجموعة قادة لا يجمعها مشروع واحد. والأمر الوحيد الذي يربطهم هو العداء لنتنياهو. فهو سبق أن استفرد بكل منهم على حدة، وخانهم جميعاً. فما الذي سيجمع يائير لبيد الوسطي الليبرالي العلماني مع بينيت اليميني القومي المتطرف، أو يجمع بينيت هذا مع آيزنكوت الوسطي العلماني، أو مع ليبرمان اليميني العلماني المتشدد؟ هذا عدا عن اختلاف نظرة كل منهم إلى مستقبل الكيان الصهيوني، والموقف من غزة ولبنان والضفة وإيران، وغيرها من المسائل الاستراتيجية في السياسة الصهيونية الداخلية والخارجية.
ففيما يؤمن بني غانتس بحل الدولتين بشروط أمنية، ويدعم تجنيد الحريديم، يؤكد آيزنكوت على يهودية الدولة كما على ديمقراطيتها. بينما بينيت يدعو إلى توسيع الاستيطان خصوصاً في الضفة الغربية. ويبدو تشكيل ائتلاف من هذه الأحزاب، أي جمع آيزنكوت، وبينيت، ولبيد، وليبرمان، وغانتس في حكومة واحدة أمراً صعباً جداً.
النقطة الثالثة: أن نتنياهو يدرك تشتت توجهات أحزاب المعارضة. وهو سبق أن عمل مع هؤلاء في الحكومات التي شكلها على مدى أكثر من عشرين عاماً. ففي أغلب تلك الحكومات، كان يستفرد بواحد منهم، ويضمه إلى تشكيلتها ثم يركله خارجها، عندما تنتهي مصلحته من هذا التحالف.
فهو شكل حكومة تحالف مع غانتس في العام 2020 على أن يتناوب معه في رئاسة الحكومة، لكن بعد انتهاء فترة نتنياهو، وقبل استلام غانتس حل الكنيست، وذهب إلى انتخابات مبكرة. ثم أعاد الكرة معه في حكومة الطوارئ عام 2023، ثم أحرجه فأخرجه، عندما استتبت له الأمور.
وكذلك فعل مع آيزنكوت عندما أدخله في حكومة الطوارئ عام 2023، ثم دفعه إلى الاستقالة لاحقاً. أما ليبرمان فقد كان وزيراً للدفاع في حكومة نتنياهو في العام 2013، ثم في حكومة 2009، وحكومة 2012، وحكومة 2016، ودائماً ما كانت الأمور تنتهي بالخلافات والاستقالة.
أما يائير لبيد فقد كان وزيراً للمالية في حكومة نتنياهو بين العام 2013-2014. بينما بينيت شغل مناصب وزير التعليم ووزير الدفاع في حكومتي نتنياهو في العامين 2015 و2016.
هذا التعداد يؤكد قدرة نتنياهو على الاستفراد بهؤلاء القادة. وهو يعرفهم جميعاً، ويعرف توجهاتهم السياسية، ويعرف نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، ويعرف حجم كل منهم ورغباته. وهم عملوا معه سابقاً، ويبدو للوهلة الأولى أن الجميع لديهم الاستعداد المبدئي للتحالف معه، وإن تغيرت الظروف حالياً، وإن سبق أن تعرضوا للأذى منه.
النقطة الرابعة: أن نتنياهو لديه من الحنكة والمكر والخبرة السياسية في تأليف الحكومات، ما ليس لهم مجتمعين. وهو قادر على جمع الأضداد في حكومة واحدة، وسبق له أن فعل ذلك. صحيح أنه ليس من القادة المؤسسين في الكيان، لكنه كان اللاعب الأساسي على الساحة السياسية لحوالي ثلاثين عاماً. فقادة المعارضة دخلوا المعترك السياسي وهم يرونه رئيساً للوزراء. وهذا من الناحية المعنوية له وقعه وثقله عليهم. أي أنهم ينظرون إليه كقائد للكيان، وهم كانوا قادة أركان أو رؤساء أحزاب في بدايات عملهم السياسي، أو وزراء في حكوماته المتعاقبة. وهذا الثقل المعنوي ينشط في لا وعيهم، فيجعلهم أقرب إلى التحالف معه.
النقطة الخامسة: أن نتنياهو يعرف كيف تدار الأمور في واشنطن، وكيفية مخاطبة اللوبي الصهيوني هناك. وله علاقات واسعة ومتشعبة في الكونغرس ومجلس النواب. صحيح أن علاقته مع ترامب ليست على ما يرام، لكنه يعرف مفاتيح الضغط هناك، فيما الآخرون بحاجة إلى جهد كبير لإقناع اللوبي الصهيوني في أمريكا لدعمهم. طبعاً لكل منهم علاقات جيدة، لكن شبكة نتنياهو أوسع وأعمق.
النقطة السادسة: لدى نتنياهو ما يساوم عليه لقاء الدعم الأمريكي، بينما لا يملك الآخرون إلا الوعود. فهو يستطيع تسهيل أمور المشروع الأمريكي في غزة مثلاً، بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق مع حماس. وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لترامب قبل الانتخابات النصفية الأمريكية. كما يمكنه تسهيل المشروع الأمريكي في لبنان، بتنفيذ بعض الانسحابات ووقف الحرب، في سياق اتفاق الإطار مع السلطة اللبنانية. وكذا المشروع الأمريكي في سوريا وإيران. وتحقيق أي من هذه الأمور أو أكثر من واحد منها، سيقوي ورقة حظوظه في واشنطن.
لا يبدو أن طريق تشكيل حكومة جديدة مفروشاً بالورود لنتنياهو أو لغيره، لكنه يبقى الأكثر قدرة على استقطاب الأضداد، وجمع التناقضات، ولعب الأوراق السياسية. وهو يرسم خطته لليوم التالي للانتخابات بهدوء، فيما يحتاج قادة المعارضة إلى كثير من نكران الذات، والتواضع، وإلى جعل إسقاط نتنياهو الهدف المشترك لهم، لإبعاده عن الحياة السياسية بشكل نهائي.
لكن مع ذلك لن يكون مفاجئاً لنا أن يشكل مع آيزنكوت حكومة تناوب رئاسية. فهل يُلدغ آيزنكوت من نفس الجُحر الذي لدغ منه غانتس؟



