عجز صفري وجوع حقيقي: لماذا لا تنقذ موازنة 2027 لبنان من الانهيار؟ (عماد عكوش)

كتب د. عماد عكوش – الحوارنيوز
في نهاية شهر آب الفائت، أحالت الحكومة اللبنانية مشروع موازنة 2027 إلى مجلس الوزراء، ملتزمةً بالمهلة الدستورية التي طالما كانت عقبة في السنوات السابقة. الرقم الضخم الذي تصدّر الأخبار هو 614.9 تريليون ليرة، أي ما يعادل حوالي 6.87 مليار دولار، بزيادة نسبتها 14.2% عن موازنة 2026 التي كانت تبلغ 538.4 تريليون ليرة اي حوالي 6.0 مليار دولار.
طبعاً، الهدف المعلن للموازنتين هو نفسه: “عجز صفري”. لكن مجرد قراءة سريعة في تفاصيل البنود تكشف فجوة هائلة بين مظهر الموازنة المحاسبي الأنيق، وبين حقيقة ما يعيشه المواطن اللبناني من انكماش وفقر مدقع.
الإيرادات.. الفقراء يدفعون الفاتورة مرة أخرى
الملفت للنظر أن الدولة ما زالت تراهن على جيب المواطن العادي أكثر من أي شيء آخر. فالإيرادات الضريبية تشكل 86% من إجمالي الإيرادات ، والأكثر خطورة أن 78.5% من هذه الضرائب هي ضرائب غير مباشرة ، أي مفروضة على الاستهلاك والاستيراد، وليس على الدخل أو الأرباح.
وبترجمة بسيطة هذا يعني أن الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال يكادون يكونون في منأى عن الإصلاح الضريبي ، بينما يتحمل المواطن البسيط العبء الأكبر كلما اشترى سلعة أو مواد غذائية. المشكلة الأكبر أن الاقتصاد اللبناني يعاني أصلاً من انكماش حاد ، والرهان على زيادة الجباية في هذا الوقت يشبه محاولة عصر حجر جاف ، خاصة أن الدولة ما زالت لم تنجز قطع حساب موازنات السنوات الماضية ، الأمر الذي يلقي ظلالاً من الشك على مصداقية أي توقعات للإيرادات.
النفقات: أكثر من نصف الميزانية تذهب للرواتب ، والإعمار مهمش
أما على صعيد الإنفاق ، فالأرقام صادمة ولكنها ليست جديدة. فبند الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية يلتهم وحده 53.5% من الموازنة. بتعبير آخر ، أكثر من نصف ما تجنيه الدولة يذهب لتشغيل جهازها الإداري ودفع رواتب موظفيها ، ولا يترك مجالاً كبيراً لخدمات فعلية أو مشاريع تنموية.
النفقات الاستثمارية المخصصة للبناء والتعافي لا تتجاوز 66.6 تريليون ليرة اي حوالي 750 مليون دولار، أي ما نسبته 10.8% فقط من إجمالي النفقات. وبالنسبة لأزمة النزوح والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية ، خُصص مبلغ لا يتجاوز 78 مليون دولار ، وهو مبلغ سخيف لا يغطي حتى جزءاً بسيطاً من الاحتياجات الإنسانية المُلحة.
لأول مرة نرى خدمة الدين ، لكن بأرقام لا تتناسب مع الكارثة
الجديد في موازنة 2027 ، والذي يُحسب لها ، هو رصد اعتمادات لخدمة الدين العام بقيمة 15.4 تريليون ليرة اي حوالي 172 مليون دولار ، وهذا يُظهر بعض الشفافية تجاه المؤسسات المالية الدولية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة كيف نتعامل مع سندات اليوروبوندز المعلقة منذ عام 2021 والتي تبلغ قيمتها الاسمية عشرات المليارات؟ هذا المبلغ المخصص بالكاد يكاد يكون مسكناً للجراح، ولا يعكس حجم الأزمة الحقيقية للدين العام.
تعديلات تشريعية.. أم حلول مسكّنة؟
لا تقتصر الموازنة على الأرقام ، بل تحمل حزمة تعديلات ضريبية وإدارية تشمل ضريبة التحسين ، والرسوم البيئية على المستوردات ، وتحديث رسوم الميراث والعقارات. لكن للأسف ، كل هذه التعديلات تظل سطحية ، لأنها تكتفي بإعادة ترتيب القوانين القائمة لزيادة التحصيل ، ولا تمسّ الهيكل البنيوي الفاسد للنظام الضريبي اللبناني.
التوقعات للمستقبل: تفاؤل على الورق فقط
ضمن الموازنة ، أُرفق إطار مالي متوسط المدى حتى عام 2030 ، يفترض تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3% وتضخم بنسبة 10%. لكن هذه الأرقام وكأنها من عالم آخر ، فهي تتجاهل تماماً المخاطر الجيوسياسية في المنطقة ، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي ، والواقع التشغيلي المتدهور. بكل بساطة ، هذا التخطيط نظري أكثر منه عملي ، ولا يمكن البناء عليه لوضع استراتيجيات طويلة الأمد.
في الخلاصة وبصراحة ، موازنة 2027 تُعتبر خطوة محترمة من ناحية الالتزام بالمواعيد الدستورية والمحاسبة الشكلية ، لكنها بعيدة كل البعد عن أن تكون خطة إنقاذ أو رؤية تعافي. لبنان اليوم ليس بحاجة إلى محاسب ماهر يساوي بين الإيرادات والنفقات على الورق ، بل هو بحاجة إلى جراح اقتصادي يقدِم على إصلاحات هيكلية جذرية يخفض النفقات الجارية الضخمة ، ويُصلح نظام الضرائب ليكون عادلاً ، ويُحرّض القطاعات الإنتاجية والاستثمارية ، ويوقف نزيف هدر المال العام. بدون هذه الخطوات ، كل موازنات المستقبل لن تكون سوى محاولة يائسة لإدارة الفقر والانهيار ، وليست بوادر أي نهضة حقيقية.



