رأي

إفراغ الجنوب مشروع سياسي لا حادث عارض (وليد بركات)

 

 

كتب وليد بركات – الحوارنيوز

 

منذ أواخر نيسان، لم تعد غارات إسرائيل على جنوب لبنان تستهدف ” مواقع عسكرية” فقط. القصف امتد إلى صور والنبطية وضواحيهما، والإنذارات بالإخلاء طالت قرى كانت حتى أشهر قليلة مأهولة بالحياة. المشهد يتكرر: دخان، نزوح، بيوت مهدّمة، وشوارع فارغة. والسؤال الذي يتجاهله الكثيرون هو: هل ما يجري مجرد تداعيات حرب، أم خطة ممنهجة لإفراغ الجنوب من سكانه؟

 

من القصف إلى التهجير

التهجير لا يحدث فجأة. يبدأ بغارة على مستودع، فتتحول إلى حزام ناري حول القرية. يتبعها رسالة صوتية: “أخلوا خلال ساعتين”. من لا يملك سيارة يسير على قدميه. من يملك بيتاً يتركه مفتوحاً، لأن العودة قد لا تكون خلال أيام بل سنوات. 

 

هذه المعادلة شهدها أهالي بنت جبيل وقضائها وأهالي قضاء مرجعيون  ، واليوم يشهدها أهالي مدينة صوّر ومحيطها والنبطية ومحيطها . النتيجة واحدة: منطقة عازلة تُخلق بالقوة، لا بالتفاوض. منطقة تصبح خالية من المدنيين، ليسهل على الجيش الإسرائيلي التحرك فيها بلا كلفة سياسية ولا ضغط دولي.

 

الهدف ليس أمنياً فقط

صحيح أن إسرائيل  تحاول ان تبرر هذا التصعيد بحجة “إبعاد الخطر عن الشمال”. لكن التاريخ يقول إن الهدف يتجاوز ذلك. إفراغ الجنوب يعني فصل المقاومة عن حاضنتها الشعبية. يعني تحويل الجنوب من منطقة مأهولة ومقاومة إلى أرض محروقة يسهل التفاوض عليها أو تثبيت السيطرة العسكرية عليها كأمر واقع.

 

الرسالة السياسية واضحة: من يريد العودة إلى بيته، عليه أن يقبل بالشروط الإسرائيلية. وهذا بالضبط ما حصل في أجزاء من غزة، وما يجري تطبيقه الآن بوتيرة أبطأ في لبنان.

 

الكلفة على لبنان أكبر من الدمار

التهجير ليس مجرد خسارة بيوت. هو انهيار اقتصاد زراعي وتجاري قام عليه الجنوب لعقود. هو نزوح داخلي يضع مئات الآلاف تحت ضغط السكن والعمل والطبابة في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة. والأخطر، هو تعقيد أي حل سياسي مستقبلي. كل يوم يمر والناس خارج قراهم، يصبح حق العودة أصعب، ويتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم.

 

المواجهة تبدأ بالوحدة

مواجهة هذا المشروع لا تكون فقط على الجبهة العسكرية. تكون أولاً بموقف وطني موحد يرفض تحويل المدنيين إلى ورقة ضغط. ثانياً، بتوثيق ما يجري قانونياً وإعلامياً كجريمة تهجير قسري محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني. وثالثاً، برفض أي تفاوض تحت النار لا يضمن انسحاباً كاملاً وعودة آمنة.

 

إسرائيل تريد جنوباً بلا ناس. لبنان، إذا أراد أن يبقى، عليه أن يثبت أن الناس هم الجنوب نفسه. الأرض بلا سكان تصبح ورقة على طاولة، لكن الأرض بسكانها تبقى وطناً.

 

اللحظة ليست لحظة انقسام. هي لحظة قول كلمة واحدة: الجنوب لأهله، ولا تفاوض على حق العودة. ‎

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى