الخارج يقرأ مصالحه … وبعض المسيحيين يعيدون قراءة أوهامهم ( ريما فرح)

كتبت ريما فرح – الحوارنيوز
ليست المأساة أن يخطئ السياسي في حساباته. فالسياسة بطبيعتها حقل احتمالات، وكل القيادات قد تصيب وقد تخطئ. لكن المأساة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأخطاء إلى ذاكرة مغلقة، وعندما يعجز بعض القادة عن مراجعة تجاربهم، فيبقون مجمّدين في اللحظة التاريخية التي ارتُكبت فيها الأخطاء الأولى، وكأن الزمن توقف عندها ولم يتغير لبنان ولا المنطقة ولا العالم.
هذه هي المعضلة التي رافقت جزءاً من التجربة السياسية المسيحية في لبنان: ليس لأن المسيحيين أخطأوا أكثر من غيرهم، وليس لأنهم وحدهم عاشوا الخوف والخسائر، بل لأن بعض القيادات التي تصدرت المشهد عندهم، لم تنجح في تحويل التجارب القاسية إلى وعي سياسي جديد. فبقي الخارج حاضراً في الحسابات، وبقيت فكرة الحماية الآتية من وراء الحدود أقوى أحياناً من فكرة بناء الدولة والشراكة في الداخل.
في بدايات الحرب الأهلية، كانت الصورة أكثر تعقيداً من الروايات المختصرة التي بقيت تتكرر لاحقاً. كانت مناطق مسيحية عديدة تشعر بأنها أمام خطر وجودي، وأن المعارك قد تصل إلى عمق هذه المناطق، وعلى قاعدة الغريق بيتعلق بحبال الهوا، والتعاون حتى مع الشيطان كما كان يردد مؤسس الكتائب الشيخ بيار الجميّل، مدت احزابها في اولى المحطات اليد للحصول على المساعدة من اسرائيل، حين كان العنوان أن طريق فلسطين التي أخطأتها التنظيمات الفلسطينية المسلحة والمتفلتة، تمر في جونية. وفي الثانية، حين اشتد التهديد من القوى المشتركة الفلسطينية- اليسارية، الذي كان يُخشى أن يمتد من بكفيا نزولاً إلى أنطلياس، جاء العون من سوريا حافظ الأسد. في تلك اللحظة، بدا ان طلب تدخل الجيش السوري لم يكن مبنياً على تحالف سياسي دائم، رغم خطب التعظيم وانشاد الاغنيات “لحافظ الاسد من القلب بتنعبد، ارزاتنا بتقللك حبك للأبد” … رغم ما تحمّل الاسد ذلك من كلفة سياسية سواء من الدول العربية او حتى من الحليف الاستراتيجي الاتحاد السوفياتي في حينها.
والمفارقة التي حملها التاريخ، أن الجهة التي طُلب تدخلها في لحظة الخطر الثانية، تحولت لاحقاً إلى عنوان الخصومة السياسية لدى قسم من تلك القيادات. تبدلت
اما في التجربة في التعاطي مع اسرائيل فإن ما حل بمسيحيي الجبل واقليم الخروب وشرق صيدا وساحل جزين من تهجير ومذابح ما زالت آثاره تحدّث عن نفسها من خلال احصاءات نسبة العودة الى تلك المناطق.
توالت التطورات وتبدلت التحالفات، واختلطت الخصومات..وانتقل الرهان من جهة خارجية إلى أخرى، فيما بقي السؤال نفسه: هل يمكن لأي قوة خارجية أن تمنح اللبنانيين والمسيحيين تحديداً ما عجزوا عن بنائه في ما بينهم؟
ولم يكن الوهم بالقدرة الخارجية جديداً. ففي بدايات الحرب، يروي الرئيس سليمان فرنجية أن المبعوث الأميركي دين براون عرض أمام أركان الجبهة اللبنانية مسألة وجود بواخر أميركية جاهزة لنقل المسيحيين إلى الولايات المتحدة. لم تكن قيمة هذا المشهد في تفاصيله فقط، بل في رمزيته السياسية: القوى الكبرى قد توفر مخرجاً عند الخطر، لكنها لا تقدم بالضرورة التزاماً بإنقاذ وطن أو حماية مشروع سياسي إلى النهاية.
وهنا يكمن الدرس الذي تكرر مرات عدة: الدول لا تدير سياساتها بمنطق الصداقة أو العداوة الدائمة، بل بمنطق المصالح. من يراهن على الخارج يجب أن يعرف أن الخارج يملك دائماً حساباته الخاصة، وأن لبنان ليس أولوية ثابتة في أجندات الدول مهما ارتفع الخطاب أو كثرت الوعود.
لقد عاش الرئيس أمين الجميل تجربة قاسية مع الرهان الأميركي. فقد اكتشف، كما اكتشف قبله وبعده كثيرون، أن الخطاب السياسي الدولي شيء، والقرار العملي للدول شيء آخر. فالولايات المتحدة التي رفعت شعارات الدعم للبنان واتت بقوات المارينز ونيوجرسي الى شاطىء بيروت في العام ١٩٨٢، كانت في الوقت نفسه تتفاوض مع دمشق عندما رأت أن ذلك ينسجم مع مصالحها. لم تكن المسألة خيانة أو صداقة؛ كانت سياسة دول كبرى تحركها الحسابات.
ومع ذلك، عادت الدائرة لتتكرر، ضاربة هذه المرة الداخل المسيحي بعضه بالبعض الآخر، من حرب التحرير إلى حرب الإلغاء، بعض يراهن على دعم عراقي وآخر فرنسي، وبعض انخرط بمحاور عربية واميركية ولدت في الداخل المسيحي صراعات في ما بينهم وندوب لم تزول الى اليوم… حربا تحرير والغاء، تولدت في ظروفها تسوية دولية اقليمية ولّدت الطائف الذي أفضى الى تلزيم لبنان الى سوريا قاضياً على زمن المارونية السياسية ومكتسباته… ومن مرحلة ما بعد الطائف إلى سنوات الانكفاء، بقي جزء من الخطاب السياسي المسيحي أسير فكرة أن الخلاص قد يأتي من الخارج، وأن موازين القوى الإقليمية يمكن أن تمنح لبنان ما لم يستطع اللبنانيون أنفسهم تأمينه.
واليوم، تبدو المفارقة أكثر قسوة. فبعض القيادات المسيحية تتقدم في مشهد صراع إقليمي كبير، وكأنها رأس حربة في مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله، تصفق لإجرام الأول الذي يرتكب المجازر والتهجير بحق الثاني وبيئته، وبدل أن تكتفي ولو من باب الحياء المجتمعي وإن كانت متحمسة للخلاص من حزب الله أن تكتفي “بالضحك في عبّها”، نراها تعربد وتتوعد، رغم أنها لا تملك قرار الحرب ولا مفاتيح التسوية.
ومرة أخرى يُطرح السؤال المؤلم: هل تعلّم المسيحيون فعلاً من الماضي؟ أولم تساورهم الشكوك حتى ولو في لحظة تأمل مما يجري من مفاوضات، ومما سيخرج من تسويات، ولو من باب التحصّن من “خط الرجعة” انسحاماً مع التحوّط وفق القول الشائع؟.
إن أكثر ما يظلم المسيحيين اللبنانيين هو اختزالهم بخطابات بعض السياسيين. فالمسيحية في وجدان أبنائها ليست مشروع تحريض ولا شماتة، وليست لغة كراهية أو إقصاء. هي قبل السياسة وبعدها إيمان وقيم وذاكرة إنسانية عميقة، والمسيحيون جزءاً أساسياً من نسيج لبنان الاجتماعي والثقافي، لا مجرد طرف في معادلات القوة.
والدليل ليس في الخطب السياسية، بل في حياة الناس. ففي بعلبك–الهرمل، وفي الجنوب أيضاً، بقي مسيحيون في بلداتهم وقراهم، عاشوا مع جيرانهم من الطائفة الشيعية، واستمروا في علاقات اجتماعية وإنسانية لم تستطع الحروب ولا الاصطفافات السياسية أن تمحوها. عاش كثيرون معاً رغم اختلاف الخيارات والانتماءات، لأن الجيرة والقرابة والمصير المشترك كانت أعمق من الشعارات التي رفعتها القيادات.
هذه الحقيقة هي التي تجعل خطاب التحريض أخطر من أي وقت مضى. فالسياسيون قد يختلفون، لكن عندما تُزرع الضغائن بين الناس، يصبح من الصعب السيطرة على النتائج. والفتنة اذا وقعت لا تبقى أداة في يد من يستخدمها، بل تتحول إلى حرب ذئاب، يأكل فيها الجميع بعضهم بعضاً، ولا يبقى فيها منتصر.
المشكلة ليست أن يكون للمسيحيين أو لأي طائفة أخرى هواجس ومخاوف؛ فهذه طبيعة بلد عاش حروباً وصراعات. المشكلة أن تتحول هذه المخاوف إلى مشروع سياسي دائم، وأن يُطلب من الناس أن يعيشوا في الماضي بدل أن يبنوا المستقبل.
لقد دفع المسيحيون أثماناً باهظة بسبب رهانات لم تكن قراراتهم بأيديهم. وربما يكون أقسى ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يعيد جيل جديد إنتاج أخطاء جيل سابق، وأن يعتقد أن الرهان على “الحلفاء” الخارجيين يعني تغيير النتيجة.
فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه. والمسيحيون لا يحتاجون إلى من يعيد فتح جراحهم، أو يعيد تهجيرهم من جديد، بل إلى من يملك شجاعة الاعتراف بأن حماية وجودهم لا تأتي من تحويلهم إلى أداة في صراع أكبر منهم، علّ من يتنطح اليوم يتعقل، ويقتنع أنه ليس ديكاً بمجرد صياحه تشرق الشمس…



