دولياتسياسة

إيران تؤسس لكسر الهيمنة الأميركية على المضائق البحرية (أحمد حوماني)

 

 

 د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

منذ ما يقرب من نصف قرن وحتى اليوم، ما تزال إيران تواجه الهيمنة الأميركية بكل أشكالها، وقد تعرضت لعقوبات اقتصادية وسياسية قاسية طيلة تلك الفترة، ولهجمات إعلامية تسعى لتشويه صورتها أمام العالم أجمع، لكنها مع ذلك صمدت، سواء في الحرب  الأميركية العربية عليها في ثمانينيات القرن الماضي، أو أمام عشرات محاولات إسقاط النظام، وأخيرًا عبر حربين متتاليتين شنتهما أميركا والكيان الصهيوني الغاصب عليها.

 لم تساعد الظروف الدولية إيران في المبادرة إلى كسر هذه الهيمنة سابقًا، لكنها في السنوات الأخيرة استطاعت توجيه عدة ضربات إلى هذا النظام العالمي الذي تتحكم به أميركا، وليس أدل على ذلك في الموضوع الاقتصادي من عمليات بيع النفط الإيراني بعملة الدول المستوردة، خصوصًا مع الصين وروسيا، سواء باليوان الصيني أو الروبل الروسي، أو عبر تبادل النفط بسلع تجارية من تلك الدول أو غيرها، كما عندما عرضت على لبنان بيع المشتقات النفطية الإيرانية بالليرة اللبنانية. وقد فتح هذا الأمر الباب أمام كثير من الدول التي بدأت شيئًا فشيئًا تخرج من عباءة دولار الهيمنة  الأميركية، فزاد حجم التجارة بين الدول بالعملات المحلية، وبدأ الحديث اليوم يدور حول إنشاء عملة عالمية جديدة، ونظام مالي بعيدًا عن الهيمنة  الأميركية وسياسات الدولار وتحكمه بالسوق والاقتصاد العالمي.

موضوع آخر فتحت بابه إيران في الأشهر الماضية بعد الحرب عليها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الشريان الأساسي للنفط والتجارة العالمية، وتصرّ إيران على أن إعادة فتحه لن تكون إلا عبر التنسيق معها، وأنها ستفرض رسوم عبور على كل سفينة تبحر خلاله، وذلك بالتوافق مع دولة عُمان، كونهما الدولتين اللتين تشرفان على المضيق.

ويرى بعض السياسيين والمحللين الإعلاميين أن هذا الموضوع له طابع اقتصادي بحت، أي أن إيران تُريد الاستفادة المادية منه، وهذا الأمر صحيح ومهم بالنسبة إلى إيران وعُمان على حد سواء، إلا أن المُدقق فيه يجد أنه محاولة من إيران لإعادة تشكيل قانون جديد للبحار، وما تفعله سيفتح النقاش حول المضائق الأساسية في العالم، ولماذا تُحرم الدول المطلة عليها من الاستفادة المادية تحت عنوان أنه ممر مفتوح.

فكما مضيق هرمز، كذلك مضيق جبل طارق، ومضيق ملقا، ومضيق باب المندب وغيرهم. إنّ من وضع قانون البحار قد ظلم هذه الدول، وحرمها من مصادر مالية كبيرة، تحت حجج تسعى إيران إلى تفنيدها وإبطالها. إن هذا المسار أيضًا، كمسار استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية، يتلاقى معه، إذ إن إيران ستفرض هذه الرسوم بالعملة الإيرانية (الريال)، ما يعني أيضًا التخلي عن الدولار وتقوية عملتها المحلية، وهذا سيوجه ضربة قوية إلى الهيمنة  الأميركية على طرق التجارة البحرية، ويُعيد صياغة قوانين جديدة تسمح للدول بالاستفادة من خيرات بحارها وشواطئها.

مضيق هرمز هو ممر مغلق من الجهة الثانية، وليس مفتوحًا على محيط أو بحر آخر، ويقع بين إيران وعُمان، وهو المدخل والمخرج الوحيد إلى الخليج، حيث تمر عبره أكثر من ثلاثين ألف سفينة سنويًا، تحمل النفط ومشتقاته بما يوازي أكثر من ربع الإنتاج العالمي منه. وبإغلاقه سيزداد النقص في الشحنات المحملة بالنفط، وسيؤدي ذلك إلى انخفاض المخزونات العالمية، وسيدخل العالم في حقبة النقص الفعلي. كما أن توقف صادرات أنواع محددة من النفط الخام والمنتجات المكررة يعني استحالة إيجاد بدائل لذلك، ولا يقتصر النقص على الطاقة فقط، بل يشمل إمدادات الهيليوم، والميثانول، والفوسفات، واليوريا، والأمونيا، والكبريت، وهي سلع أساسية لصناعة الأسمدة الكيميائية سيؤدي توقف تصديرها إلى تراجع الإنتاج الغذائي العالمي، وكذلك انخفاض المخزون العالمي من وقود الطائرات (الكيروسين)، الذي أدى إلى إلغاء آلاف الرحلات الجوية في العالم وزيادة أسعارها. كل هذه الأمور مجتمعة تؤكد أهمية هذا الشريان العالمي الذي تمسك به إيران اليوم، وتسعى جاهدة إلى فرض واقع جديد يُغيّر في النظام العالمي للبحار الذي فرضته أميركا على العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

تعرف إيران أن محاولات فرض قانون البحار بقيت مدار جدل لمئات السنين، حتى تم الاتفاق عليه في العام 1982، ووقّعته مئة وأربع وستون دولة، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ إلا في العام 1994، عندما تفرّدت أميركا بحكم العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. لكن المفارقة أنها لم توقّع عليه، فهي ألزمت الدول بالعمل به، وتركت الباب مفتوحًا أمامها لفرض أي تعديلات أو شروط قد تراها مناسبة في السنوات اللاحقة. وهذه عادة أميركا في التعامل مع القوانين الدولية، فهي لا تخضع لقوانين المحكمة الجنائية الدولية حتى لا تطالها أحكامها لكنها تستعملها ضد من يواجه سيطرتها وبطشها، وكذلك محكمة العدل الدولية فهي ترفض الكثير من اختصاصاتها حتى لا تطال مواطنين أمريكيين، لكنها تقف بقوة إلى جانبها إذا كانت الأحكام التي ستصدرها تخص أعداءها. وفي خصوص قانون البحار، فإن إيران التي لم تستسغ هذا الأمر، وقّعت القانون إلا أن مجلس الشورى لم يصادق عليه، لذا تعتبر نفسها غير ملزمة بتنفيذه، وقد وجدت الفرصة لإعلان ذلك في خضم هذه الحرب الظالمة التي تُخاض ضدها.

بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُصنف مضيق هرمز كممر مائي دولي تستخدمه السفن التجارية والعسكرية لجميع الدول بحرية، لكن قانونيًا، يُمكن لإيران الطعن بهذا التصنيف، إذ إن عرض المضيق الذي يقل عن 24 ميلًا يجعله منطقة بحرية خالصة لها ولعُمان، مما يعني أن لهما حق الاستفادة منه اقتصاديًا، ومنع مرور أي سفينة من دون دفع رسوم محددة عليه، خصوصًا أن إيران تمتلك العديد من الجزر التي تتوسط هذا المضيق وهي تعتبر أراضي إيرانية.

هذه السلسلة من الجزر الاستراتيجية تتحكم في حركة الملاحة العالمية وإمدادات الطاقة، وتُقسم هذه الجزر جغرافيًا وسياسيًا إلى عدة مواقع رئيسية وهي: جزيرة أبو موسى وتقع في موقع استراتيجي عند مدخل الخليج، وتُعد الأهم عسكريًا نظرًا لمساحتها ووجود مهبط طائرات عليها، وطنب الكبرى وتقع بالقرب من مسارات الملاحة الدولية، وجزيرة قشم وهي أكبر جزر الخليج، وتتميز بقربها من الساحل الإيراني وتضم مرافق حيوية ومطارًا، وجزيرة هرمز وتقع عند أضيق نقطة مباشرة في المضيق، وتشتهر بتضاريسها الاستراتيجية ومناجمها، وجزيرة لارك وتقع جنوب جزيرة هرمز مباشرة، وتُستخدم كنقطة مراقبة عسكرية على الممرات المائية، وجزيرة هنجام وتقع قبالة الساحل الجنوبي لجزيرة قشم، وتتميز بموقعها المباشر المطل على خطوط الملاحة. وتُعرف هذه الجزر مجتمعة باسم “قوس الدفاع الإيراني”، وتلعب دورًا محوريًا في أمن الممرات البحرية التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

إذًا، عندما نتحدث عن مضيق هرمز يجب ألا يغيب عن بالنا موضوع هذه الجزر الاستراتيجية، التي تجعل من عبور السفن عبورًا في المياه الإقليمية الإيرانية، وبالتالي يتأكد حق إيران في بسط سلطتها على المضيق بالتفاهم والشراكة مع عُمان، كما في تقاضي رسوم مالية على ذلك. وإذا ما استطاعت إيران تحقيق هذا الهدف، فهي تؤسس لجعل المضائق الرئيسية في العالم تخضع لنفس هذا القانون، خصوصًا أن دولًا مثل إندونيسيا سبق أن طالبت بهذا الأمر في مضيق ملقا، لكن لم تلقَ آذانًا صاغية من أحد. كما أن إسبانيا والمغرب تُبدِيان ضيقًا من تحكم بريطانيا بمضيق جبل طارق رغم عدم امتلاكها شواطئ على طرفيه، وحجتها أن إقليم جبل طارق المنزوع من إسبانيا يتبع للتاج الملكي البريطاني. وعندها أيضًا لن تألو اليمن جهدًا في إثبات حقها في السيطرة والاستفادة من مضيق باب المندب بالشراكة مع جيبوتي وإريتريا، خصوصًا أن لليمن جزيرة تقع في وسط المضيق وهي جزيرة بريم (ميون)، وهي تقسم المضيق إلى ممرين مائيين: ممر باب إسكندر، وممر “دقة المايون” وهو الأعمق والأوسع.

إن ثبات إيران على موقفها في تقاضي رسوم عبور على السفن التي تبحر في مضيق هرمز تحت أي عنوان كان، هو ضربة موجعة للنظام العالمي ذي القطب الواحد الذي تستميت أميركا في الحفاظ عليه، وهو ما يعني أيضًا تحكّم إيران في جزء كبير من حركة الاقتصاد العالمي، ويكفي هذا الأمر ليكون شاهدًا على انتصارها في هذه الحرب المفروضة عليها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى