رأي

لبنان بين الضغوط الأميركية والتصعيد الإسرائيلي: الساحة اللبنانية في معادلة الردع والتفاوض الإقليمي (بهاء حلال )

 

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال – الحوارنيوز

مقدمة

يشهد لبنان منذ سنوات تصاعداً متدرجاً في الضغوط الأمنية والسياسية المرتبطة بالصراع بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، إلا أن التطورات الأخيرة، من القصف المتكرر لجنوب لبنان إلى الاغتيالات داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، كشفت عن تعقيد أوسع يتجاوز البعد الثنائي المباشر.

فالساحة اللبنانية باتت ترتبط اليوم بمجموعة متشابكة من العناصر:

التصعيد الإسرائيلي

الضغوط الأميركية

المفاوضات الأميركية–الإيرانية

إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمي

وأولويات النظام الدولي الجديد

ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية:
هل ما يحدث يعكس خلافاً أميركياً–إسرائيلياً حول إدارة الملف اللبناني، أم أنه يمثل شكلاً من أشكال التنسيق غير المعلن ضمن استراتيجية ضغط مركبة تستخدم لبنان كساحة تفاوض غير مباشر؟

أولاً: لبنان كمساحة جيوسياسية للصراع الإقليمي

يمثل لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، نموذجاً لما يسميه الفكر الجيوسياسي بـ:

“الدولة الساحة” (Arena State)

أي الدولة التي تتحول إلى ميدان تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية.

وفق مقاربة هالفورد ماكندر، فإن المناطق الواقعة على خطوط التماس بين مشاريع النفوذ تتحول غالباً إلى ساحات صراع غير مباشر، حيث تتجاوز أهمية الجغرافيا حدودها المحلية لتصبح جزءاً من توازنات أوسع.

في الحالة اللبنانية، تتداخل:

الحسابات الأمنية الإسرائيلية

النفوذ الإيراني عبر حزب الله

الاستراتيجية الأميركية في شرق المتوسط

والتحولات الدولية المرتبطة بالصراع مع الصين وروسيا

ثانياً: التصعيد الإسرائيلي وأهدافه الاستراتيجية

يعكس التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان والاغتيالات داخل الضاحية تحولاً في العقيدة الأمنية لـ إسرائيل من:

سياسة الاحتواء الدفاعي إلى:

استراتيجية الردع الهجومي والاستنزاف الوقائي

تركز هذه الاستراتيجية على:

1. استنزاف البنية العسكرية للحزب

2. تقويض قدرات النخبة، خصوصاً قوة الرضوان

3. إعادة فرض قواعد اشتباك جديدة

4. منع تحول الجبهة الشمالية إلى منصة تهديد استراتيجي

ثالثاً: قوة الرضوان والتحول في طبيعة التهديد

تُعد قوة الرضوان التعبير الأوضح عن تحول حزب الله من نموذج “المقاومة الدفاعية” إلى نموذج القوة الهجومية المحدودة ضمن إطار الحرب الهجينة.

وقد اكتسبت هذه القوة:

خبرة قتالية متقدمة في الحرب السورية

قدرة على العمليات المركبة

مرونة تكتيكية عالية

وتكمن خطورتها في العقيدة الإسرائيلية في أنها تنقل التهديد:

من الصواريخ البعيدة إلى:

احتمال الاختراق البري المباشر لمنطقة الجليل

وهنا يمكن ربط هذا التحول بأفكار صن تزو حول:

> “ضرب الخصم في المنطقة التي لا يتوقعها”

 

وكذلك بمفهوم “الاقتراب غير المباشر” عند باسيل ليدل هارت، حيث يصبح التأثير النفسي والاستراتيجي أهم من السيطرة الميدانية الطويلة.

رابعاً: هل يوجد خلاف أميركي–إسرائيلي؟

رغم التحالف البنيوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تظهر أحياناً تباينات في إدارة الملف اللبناني.

فالولايات المتحدة تميل إلى:

منع الانهيار الكامل للبنان

تجنب حرب إقليمية شاملة

إبقاء التصعيد ضمن حدود يمكن ضبطها

بينما تميل إسرائيل إلى:

توسيع هامش العمل العسكري

فرض وقائع أمنية بالقوة

استهداف البنية القيادية للحزب

لكن هذه التباينات تبدو أقرب إلى:

“اختلاف تكتيكي ضمن وحدة استراتيجية”

أي أن الطرفين يشتركان في:

احتواء النفوذ الإيراني

منع تغيير ميزان الردع

تقليص القدرات الهجومية للحزب

مع اختلاف في الوسائل وحدود التصعيد المقبول.

خامساً: المفاوضات الأميركية–الإيرانية والساحة اللبنانية

لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة في ظل استمرار التفاوض غير المباشر حول:

الملف النووي

النفوذ الإقليمي

أمن الممرات الاستراتيجية

وفق مفهوم:

“الدبلوماسية القسرية” عند توماس شيلينغ

فإن القوة العسكرية لا تُستخدم دائماً للحسم، بل لتحسين الموقع التفاوضي.

ضمن هذا الإطار:

تمارس إسرائيل الضغط العسكري

تمارس واشنطن الضغط السياسي والاقتصادي

بينما تستخدم إيران وحلفاؤها أوراق الردع الإقليمي

وبالتالي، يتحول لبنان إلى:

مساحة رسائل متبادلة

وأداة ضغط ضمن عملية تفاوض إقليمية أوسع

سادساً: الحرب المحدودة وإدارة التصعيد

رغم حدة المواجهة، تشير سلوكيات الأطراف المختلفة إلى وجود:

“سقف غير معلن للتصعيد”

إذ لا تبدو:

إسرائيل راغبة في حرب استنزاف طويلة

ولا إيران راغبة في مواجهة إقليمية مباشرة

ولا الولايات المتحدة مستعدة لتحمل كلفة انفجار شامل في الشرق الأوسط

ويرتبط ذلك بأولويات واشنطن الدولية، حيث باتت المنافسة مع:

الصين

روسيا

تتقدم على خوض حروب إقليمية مفتوحة.

لذلك، يمكن فهم المشهد الحالي باعتباره:

“تفاوضاً بالنار”

وليس حرباً شاملة مكتملة الأهداف.

سابعاً: البعد النفسي والاستراتيجي

يرتبط التصعيد أيضاً بمحاولة ضرب ما يسميه كارل فون كلاوزفيتز:

*“مركز الثقل”*

فبالنسبة لإسرائيل:

يشكل الأمن الداخلي والاستقرار الحدودي مركز ثقل استراتيجياً

أما بالنسبة لـ حزب الله:

فإن الحفاظ على صورة الردع والصمود يشكل مركز الثقل المقابل

لذلك، فإن الاغتيالات والاختراقات الأمنية لا تهدف فقط إلى الإضعاف العسكري، بل أيضاً إلى التأثير النفسي والمعنوي.

*خاتمة*

تكشف التطورات في لبنان أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة حدودية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، بل أصبح جزءاً من:

معادلة إقليمية مركبة

تتداخل فيها الضغوط العسكرية

والمفاوضات الأميركية–الإيرانية

وأولويات النظام الدولي

وعليه، فإن ما يبدو أحياناً كخلاف أميركي–إسرائيلي حول لبنان هو في الغالب:

تباين في إدارة الأدوات لا:

اختلاف في الأهداف الاستراتيجية الكبرى

وفي ظل غياب تسوية إقليمية شاملة، سيبقى لبنان معرضاً لأن يؤدي دور:

“الساحة الوسيطة”

التي تُدار فوق أرضها توازنات الردع والتفاوض بين القوى الكبرى والإقليمية، فيما تبقى كلفة الصراع محمولة داخلياً على الدولة والمجتمع اللبناني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى