
بتول محي الدين* – الحوارنيوز
لم تعد الحرب مجرّد أخبارٍ عابرة تُبثّ عبر الشاشات، بل تحوّلت إلى واقعٍ يوميّ يقتحم أدقّ تفاصيل الحياة، ويترك أثره العميق على الإنسان والمجتمع، ولعلّ القطاع التعليمي من أكثر القطاعات التي دفعت ثمن هذا الخراب. فحين تهتزّ الأوطان تحت وقع العدوان، يصبح التعليم معركةً أخرى يخوضها المعلّم والطالب والأهل، في محاولةٍ للحفاظ على ما تبقّى من مستقبلٍ مهدّد بالضياع.
في ظلّ هذه الظروف القاسية، يعيش المعلّم حالةً من الضياع والتخبّط بين قراراتٍ متبدّلة وتعليماتٍ غير واضحة تصدر عن الجهات المختصة، وكأنّ الميدان التربوي بات حقلَ تجارب لا مساحةً لبناء الأجيال. فمرّةً يُطلب التعليم الحضوري، ومرّةً أخرى يُفرض التعليم عن بُعد، والتشديد على إجراء الامتحانات الرّسميّة في موعدها دون مساواة بين تلامذة الجنوب وباقي الوطن، فيما يبقى المعلّم وحده في مواجهة الفوضى، محاولاً التوفيق بين رسالته التربويّة وظروفه المعيشيّة والنفسيّة الصعبة.
كثيرٌ من المعلّمين باتوا عاجزين حتى عن تأمين أبسط مقوّمات التعليم، بعدما أثقلت الحرب كاهلهم بالخسائر والنزوح وتدمير المدارس والخوف على عائلاتهم، ومع ذلك ما زالوا يقفون خلف الشاشات أو داخل الصفوف حاملين ما تبقّى من ضوء المعرفة.
أمّا الطلّاب، فهم الوجه الأكثر وجعاً في هذه الأزمة. فطفلٌ يدرس على عجلٍ بين أصوات الغارات، وآخر يحمل حقيبته من مركز نزوح إلى آخر، وثالث حُرم من مدرسته بعدما تحوّلت إلى ملجأ للنازحين أو إلى بناءٍ متصدّع لا يصلح للتعليم. لقد فقد كثير من الأطفال شعورهم بالأمان الدراسي، وباتت المدرسة بالنسبة إليهم ذكرى مرتبطة بالاستقرار الذي سرقته الحرب.
ويزيد ضعف الإنترنت من حدّة المأساة، إذ تحوّل التعليم الإلكتروني إلى عبءٍ إضافي بدل أن يكون حلاً. فالانقطاع المتكرّر للشبكات، وضعف الإرسال، وعدم قدرة الكثير من العائلات على تأمين الأجهزة أو اشتراكات الإنترنت، كلّها عوامل جعلت التعليم عن بُعد تجربةً ناقصة وغير عادلة. فكيف يمكن لطالبٍ نازح يعيش في غرفةٍ مكتظّة أو في مركز إيواء يفتقر للكهرباء أن يتابع دروسه بانتظام؟ وكيف لمعلّمٍ أنهكته الظروف أن يشرح درسه وسط انقطاع التيار وتردّي الاتصالات؟
لقد خلقت الحرب فجوةً تعليمية خطيرة بين الطلّاب، فهناك من استطاع متابعة تعليمه بحدٍّ أدنى، وهناك من انقطع كليّاً عن الدراسة لشهرين متتاليين، ما يهدّد بضياع جيلٍ كامل لا ذنب له سوى أنّه وُلد في زمن الحروب. والأسوأ من ذلك أنّ الأضرار لم تعد تقتصر على التحصيل العلمي، بل امتدّت إلى الجانب النفسي، حيث يعيش الطلّاب حالاتٍ من القلق والخوف والتشتّت، ما أفقد العملية التعليمية روحها الطبيعية.
ورغم هذا المشهد القاتم، ما زال ثمّة من يتمسّك بالأمل. فالمعلّم الذي يشرح درسه رغم القصف، والطالب الذي يفتح دفتره وسط النزوح، والأهل الذين يحاولون حماية حقّ أبنائهم في التعلّم، جميعهم يخوضون معركة الصمود بوجه الجهل والانهيار. فالتعليم في زمن الحرب ليس مجرّد عمليّة تلقين للمعرفة، بل هو فعل مقاومة حقيقي، لأنّ الحفاظ على القلم في وجه الدمار هو حفاظٌ على هوية الوطن ومستقبله.
إنّ إنقاذ الواقع التعليمي اليوم لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية وإنسانية. فالأوطان التي تخسر مدارسها ومعلميها وطلابها، تخسر مستقبلها بأكمله. ومن هنا، لا بدّ من خططٍ تربوية طارئة تراعي ظروف الحرب والنزوح، وتؤمّن دعماً حقيقياً للمعلّمين والطلّاب، وتعيد للتعليم مكانته كحقّ لا يجوز أن تسلبه الحروب.
فالحرب قد تهدم البيوت والطرقات، لكنّ أخطر ما يمكن أن تهدمه هو عقول الأجيال وأحلامهم.
*تربوية.



