سقطة مهنية أم توغل في الانحدار؟ (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
لطالما حاولت قناة الـ LBC أن تنأى بنفسها عن المسار الانحداري الذي أصاب الكثير من المنصات، وأخرجت للجمهور اللبناني العربي برامج سياسية واجتماعية اعتبرت لسنوات نموذجا، ولكن يبدو أن رياح السقوط الإعلامي لم توفر حتى تلك المحطات التي كانت تقدم نفسها كمنارة للمسؤولية، ما يضعنا أمام تساؤل جوهري ومؤلم، هل أن ما نشهده اليوم هو مجرد سقطة عابرة أم أنه توغل متعمد في وحل الانحدار؟
إن الوصول إلى مستوى التعرض للمرجعيات الروحية وانتهاك حرمة العمامة المقدسة لطائفة تمثل ثلث أو نصف المجتمع اللبناني، لا يمكن تصنيفه ضمن خانة الخطأ المهني غير المقصود، بل هو تجاوز صارخ لكل أدبيات الخطاب الإعلامي الرصين. فعندما يتحول المنبر الذي يفترض به أن يبني الوعي إلى أداة لاستفزاز المكونات الأساسية في النسيج الاجتماعي، نكون قد دخلنا مرحلة خطيرة من الاستهتار بالقيم التي قامت عليها هذه المؤسسة وتاريخها. وقد غاب عن ذهن صانعي هذا العمل angry bird أن هذه العمامة التي ظهرت على رأسه لا تمثل فضيلة الشيخ نعيم قاسم فحسب، بل هي اقتداء بعمامة رسول الله (ص) وهذه العمامة يقتدي بها 2.4 مليار نسمة في العالم، وبالتالي تعتبر إهانة لهم جميعا قبل أن تكون إهانة لشخص أو جهة بعينها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا لم تنتج هذه القناة فيلما أو مقطعا مصورا يبين نسبة تحقير اليهود والصهاينة للمسيحيين؟ ولماذا لم يرفعوا الصوت عندما أقدم جندي صهيوني على تحطيم تمثال للسيد المسيح في دبل أو غيرها من الكنائس؟ ولماذا لم يستنكروا الاعتداء على الراهبات والبصق في وجوه المطارنة المسيحيين؟ هل يجرؤون على فعل ذلك؟
إن هذا الصمت المطبق أمام انتهاكات العدو الصهيوني للمقدسات المسيحية، يقابله جرأة غريبة في استهداف الرموز الإسلامية، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول المعايير المهنية والأخلاقية التي تسير عليها المحطة اليوم.
إن هذا النوع من الأداء الإعلامي لا يمثل مجرد بحث عن “تريند” أو زيادة في نسب المشاهدة، بل هو وصفة جاهزة لإثارة النعرات الطائفية التي لا يزال المجتمع اللبناني والعربي يدفع أثمانا باهظة جراء نيرانها المشتعلة. لقد استطاعت هذه المحطة في مراحل سابقة أن تعالج أعقد الملفات وأكثرها حساسية بنوع من التوازن والذكاء، فكانت توصل الرسائل النقدية القاسية دون الحاجة إلى المساس بالمقدسات أو إهانة الكرامات الجماعية، أما اليوم فإن الانزلاق نحو استهداف الرموز الدينية يضع الـ LBC في خندق واحد مع المحطات التي تقتات على الفتن والشرذمة، وهو ما يشكل صدمة لجمهور كان يرى فيها استثناء عن القاعدة الهابطة.
إن المجتمع اليوم، في ظل كل ما يعانيه من أزمات وجودية، يحتاج إلى إعلام يجمع ولا يفرق، إعلام يحترم خصوصيات المكونات الروحية ويقدر مكانة المرجعيات التي تشكل هوية ووجدان الناس، وعندما تتخلى المؤسسة عن أدبياتها لتلحق بركب المحطات الأخرى، فإنها تطلق رصاصة الرحمة على مصداقيتها. إن العبث بالرموز المقدسة هو لعب بالنار في بلد يعيش على فوهة بركان من الحساسيات، والمقامرة بالاستقرار الاجتماعي من أجل لحظة استعراضية هي سقطة تاريخية قد لا تجدي معها محاولات الترميم والاعتذار اللاحقة.
ختاما، إن الـ LBC اليوم أمام امتحان حقيقي لاستعادة هويتها التي عرفها الناس بها، فالتوغل في الانحدار لن يحقق لها تميزا، بل سيجعلها مجرد صدى لأصوات الفتنة التي تملأ الفضاء الإعلامي. وإن العودة إلى الرصانة واحترام حرمة العمامة والمقدسات الروحية ليس مطلبا فئويا، بل هو ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية السلم الأهلي وصون كرامة الإنسان في هذا الوطن.



