رأي

عيد العمال: حين يصبح العرقُ قضيةً والحربُ شاهدًا (زينب إسماعيل)

 

كتبت زينب إسماعيل – الحوارنيوز

لهم الأرض، لهم الحصاد، لهم شعاع الشمس مع إشراقة الصباح… عمّالٌ وفلاحون، يكدحون على مرّ السنين، تُكتب فوق جباههم تجاعيدُ تعبٍ وشقاء، وتُرسم على أيديهم آثارُ كدٍّ ونشاط. يؤمّنون قوت يومهم برضى، لا يملّون ولا يكلّون، ويبقى في عيونهم أملُ الراحة القادمة، مهما طال الانتظار.

هم الذين يحملون هذا الوطن على أكتافهم بصمت، يزرعون الأرض لتُثمر، ويبنون الحجر ليبقى البيت قائمًا، ويصنعون من التعب حياةً ومن الصبر كرامة. لا يطلبون الكثير، فقط حقّهم الطبيعي في العيش الكريم، في الأمان، وفي أن لا يكون التعب وحده هو نصيبهم.

في الأول من أيار من كل عام، لا نحتفل بيومٍ عابرٍ في الروزنامة، بل نستحضر تاريخًا طويلًا من النضال والتعب والحقوق المنتزعة بدماء العمّال وعرقهم. عيد العمال ليس مناسبة للتهنئة فقط، بل وقفة تأمل أمام واقع الإنسان الذي يبني الأوطان بيديه، وغالبًا ما يُترك وحيدًا في مواجهة الفقر والاستغلال والخذلان.

العامل هو العمود الفقري لأي مجتمع؛ هو الذي يزرع الأرض، ويشيد الأبنية، ويُدير المصانع، ويحمل على كتفيه اقتصاد البلاد. ومع ذلك، كثيرًا ما يكون هو الحلقة الأضعف، يتقاضى أقل مما يستحق، ويُحرم من أبسط حقوقه في الأمان الوظيفي، والضمان الصحي، والعيش الكريم.

في لبنان، يأتي عيد العمال هذا العام مثقلًا بالأزمات الاقتصادية والانهيار المعيشي، حيث أصبح العامل يكدّ طوال الشهر ليجد نفسه عاجزًا عن تأمين حاجاته الأساسية. الرواتب تتآكل أمام الغلاء، والبطالة تتوسع، والهجرة أصبحت حلمًا لكثير من الشباب الذين فقدوا الثقة بإمكانية بناء مستقبل داخل وطنهم.

وفي الجنوب، يبدو الحديث عن عيد العمال أكثر وجعًا من أي وقت مضى. هناك، لم تعد الحقول تعجّ بالمزارعين، ولا الورش تضجّ بأصوات العمّال، ولا الأرض تنبض بحركتها المعتادة. الحرب القائمة سرقت من الناس أعمالهم قبل أن تسرق منازلهم، وحوّلت القرى إلى مساحات خاوية إلا من أصوات الغارات والقذائف.

العامل الجنوبي الذي كان يزرع أرضه بيديه، ويعيش من تعب يومه، وجد نفسه اليوم نازحًا أو محاصرًا أو واقفًا أمام ركام منزله، عاجزًا حتى عن الوصول إلى رزقه. المواسم الزراعية تعطّلت، المؤسسات أقفلت، والرزق أصبح مؤجلًا على وقع الخوف والترقب.

في الجنوب، عيد العمال لا يُحتفل به، بل يُرثى له. لأن العامل هناك لا يطالب فقط بحقوقه المعيشية، بل بحقه الأساسي في الحياة، في الأمان، وفي أن يعود إلى أرضه دون أن يكون الموت في انتظاره. وحين تصبح الحرب هي المشهد اليومي، يصبح العمل نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، والبقاء في الأرض موقفًا لا وظيفة فقط.

عيد العمال يجب أن يكون مناسبة للمطالبة لا للمجاملة؛ للمحاسبة لا للخطابات الموسمية. فالكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع، والحقوق لا تُؤجَّل بحجة الأزمات، لأن العامل هو أول من يدفع ثمن هذه الأزمات وآخر من يُنصف.

في هذا اليوم، لا يكفي أن نقول: “كل عام والعمال بخير”، بل يجب أن نسأل: هل هم بخير فعلًا؟ وهل أوفيناهم حقهم؟ لأن الوطن الذي لا يحفظ كرامة عمّاله، يبني مستقبله على أرضٍ هشة.

عيد العمال ليس احتفالًا… بل تذكيرٌ دائم بأن العدالة الاجتماعية ليست رفاهية، بل أساس قيام الدول واستمرارها، وأن العامل الذي يصمد في وجه الفقر والحرب، هو نفسه من يحفظ لهذا الوطن بقاءه وكرامته.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى