
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تغلي الساحة الجنوبية اليوم فوق صفيح ساخن من الاحتمالات العسكرية المفتوحة، حيث نترقب ما ستسفر عنه الأيام المصيرية الممتدة من مطلع أيار وحتى المنتصف منه، في مشهد دراماتيكي يعيد رسم خرائط القوة في المنطقة بأسرها. إنها لحظات الحقيقة التي تفرض فيها المقاومة إيقاعها الخاص، فالمشهد الذي وثقته عدسات الميدان لم يكن مجرد استهداف عسكري عابر، بل كان إعلانا صريحا عن سقوط الهيبة الاستراتيجية. فحين تتحول عملية إجلاء جرحى العدو إلى مذبحة محققة بفعل طائرة مسيرة زهيدة الثمن، فإننا لا نتحدث هنا عن خسارة عادية بل عن انهيار شامل في منظومة القيادة والسيطرة الإسرائيلية التي باتت عاجزة عن حماية جنودها أو تأمين مستوطني الشمال.
وايضا منذ ٣ ايام نقلت وسائل إعلام صهيونية أن طائرة بدون طيار تابعة لحـزب الله أصابت هدفا بدقة في مستوطنة “شوميراه” واندلع حريق في المكان ويوجد أضرار.
وتحدثت عم وجود إصابات في صفوف الجيش الإسـ.رائيلي جراء انفجار طائرة بدون طيار في شوميراه بالجليل الغرب:
” ويبدو أن الطائرة التي ضربت هذا الصباح سيارة مدرعة في الجليل الغربي وتسببت في حريق محلّقة مفخخة مزودة بكابل ألياف بصرية. وهذه هي المرة الأولى التي تصل فيها طائرة بدون طيار مفخخة من هذا النوع إلى الجليل الغربي، والمرة الثانية التي تُرى فيها حتى الآن في الحرب في الشمال. لأول مرة منذ بداية وقف إطلاق النار”.
هذا الفشل الميداني المريع يضع حكومة نتنياهو أمام مأزق وجودي لا يمكن الهروب منه إلا بالمغامرة نحو التصعيد الأقصى، خاصة مع اقتراب الموعد المفصلي في الثاني عشر من أيار، حيث تضيق الخيارات وتزداد الضغوط الأميركية المطالبة بحسم عسكري لم ولن يأتي.
إن احتمال لجوء العدو إلى ضربة عسكرية كبرى تهدف لاستعادة شيء من هيبته المفقودة هو احتمال يرتفع يوما بعد يوم، وتؤكده التحركات اللوجستية الضخمة في القواعد الأميركية التي باتت تعمل كجسر جوي لا يتوقف لتزويد آلة القتل الإسرائيلية بما تحتاجه من ذخائر وأسلحة دقيقة. ويبدو أن قرار التصعيد قد اتخذ بالفعل في الغرف المظلمة، لكنه يصطدم بواقع ميداني صلب، فالمقاومة اليوم لا تدافع عن مواقعها فحسب، بل تمتلك القدرة على نقل المعركة إلى عمق الكيان بشراسة غير مسبوقة، مستفيدة من ثورة تكتيكية في استخدام المحلّقات الانقضاضية وسلاح المسيرات الذي أثبت جدارته الفائقة في شل حركة العدو وإرباك حساباته الدفاعية.
وما يزيد من تعقيد المشهد أمام القادة العسكريين في تل أبيب هو اليقين بأن المقاومة لم تكشف بعد عن كامل ترسانتها الاستراتيجية، إذ تمتلك أسلحة متطورة جدا لم تدخل الخدمة الفعلية لغاية الآن، وعلى رأسها الصواريخ الدقيقة التي تتراوح مدياتها بين 300 و500 كيلومتر، وهذه الصواريخ ليست مجرد أداة للردع، بل هي قوة تدميرية قادرة على الوصول إلى غلاف غزة وضرب أي نقطة حيوية في العمق الإسرائيلي بدقة متناهية.
إن بقاء هذه الأسلحة خارج الخدمة حتى اللحظة يمثل رسالة رعب صامتة، مفادها أن أي حماقة تصعيدية كبرى سيقابلها تحويل الكيان بأكمله إلى ساحة مكشوفة أمام ضربات لا يمكن صدها، مما يجعل خيار الحرب الشاملة بمثابة انتحار استراتيجي محقق للمشروع الاستعماري في المنطقة.
وعندما ننظر إلى الأبعاد الاقتصادية لهذا الصراع، ندرك حجم الفخ الذي استدرجت إليه الإدارة الأميركية. فالحصار الذي أراد ترامب فرضه على إيران انقلب وبالا على الاقتصاد العالمي، حيث أدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز إلى قفزات جنونية في أسعار النفط التي تجاوزت حاجز الـ 125 دولارا للبرميل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تنجح أميركا فعليا في فرض حصار بحري على إيران؟
إن محاولة الإجابة تكشف أن هذا التوجه يشبه تماما محاولة حصار مدينة كبيرة بعصا أو حجر، إذ تقف موانع عملية كثيرة ضد نجاحه، أولها طبيعة نظام ترامب الدعائية الديماغوجية القائمة على الشعارات والاستعراض، ما يوسع الفارق بين الواقع العملي وبين الأمنيات الشخصية، حيث يثبت الواقع أن هذا النظام لا يقرأ الحرب بشكل صحيح، وهذا هو سر فشله حتى الآن.
أما ميدانيا، فإن سواحل إيران الممتدة لـ 2800 كيلومتر تتطلب لإطباق الحصار ما بين 1000 إلى 2000 سفينة حربية، بينما لا يتواجد هناك سوى حوالي 15 سفينة أميركية فقط، والدليل الصارخ على ذلك هو عبور ناقلات نفط صينية للمضيق بعد إعلان ترامب الحصار، حيث بثت إشاراتها علنا ودفعت الرسوم لإيران ومرت دون أي تدخل أميركي، تماما كما مرت سفن إيرانية وناقلات أخرى، ما يعني أن استراتيجية الحصار لا وجود لها إلا في التلفزيون وحساب ترامب على منصة تروث. كما أن حاملة الطائرات لينكولين تتمركز على مسافة بعيدة جدا في بحر العرب وخليج عمان، وتتعمد الحفاظ على مسافة 1000 كيلومتر عن السواحل الإيرانية خشية استهدافها، ما يقلل من فعاليتها ويرفع معدلات الخطر المحيط بحركتها، في حين ترفض حاملتا الطائرات جورج بوش وفورد عبور البحر الأحمر وباب المندب خوفا من استهدافهما من اليمن، وتضطران لقطع مسافات طويلة عبر المتوسط أو رأس الرجاء الصالح، فمن يخشى الضربات في اليمن وهو الأقل تسليحا، كيف له أن يفرض حصارا على إيران الأقوى تسليحا؟
إن أي تهديد أميركي لناقلات الصين سيستدعي ردا من البحرية الصينية ومواجهة مباشرة في بحر عمان، فالحصار هنا يطال الصين التي تعتمد على نفط الخليج، وهو تصعيد يخشاه العسكريون الأميركيون لعدم استعدادهم لمواجهة صينية لا يمكنهم تأمينها إلا بتسوية مع إندونيسيا لاستخدام مضيق مالقا لابتزاز بكين، وهو أمر مستبعد في ظل انضمام الإندونيسيين للبريكس وحرصهم على مصالحهم مع الصين. يضاف إلى ذلك تدفق النفط الإيراني إلى الصين عبر خطوط سكك حديدية بديلة تتجاوز الحظر، ما يجعل الحصار الكلي غير وارد إطلاقا، خاصة وأن إيران هي من تتحكم عمليا في مضيق هرمز، حيث يمكنها منع السفن المعادية مثل الأميركية أو الإسرائيلية، بينما لا تملك واشنطن القوة النارية أو الأسطول الضخم لمنع كل السفن الإيرانية.
لقد حصرت طهران المرور من هرمز بجوار شواطئها في شريط ضيق لا يتجاوز الميلين، وزرعت الألغام في بقية المضيق، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية التي جعلت الشريط الضيق المحاذي لسواحلها هو الأكثر تهيئة لاستقبال السفن الكبيرة، مما جعل التحكم ودفع الرسوم للإيرانيين أسهل، ويتم ذلك بطرق متعددة منها التنسيق عبر ميناء الشارقة.

باختصار، إن هذا الحصار إعلامي دعائي لا يملك القدرة التنفيذية، وهو مكلف جدا وقد يدفع نحو مواجهة عسكرية بحرية واسعة أو صدام أميركي صيني مباشر في خليج عمان. إن عامل الوقت الذي كان يراهن عليه العدو لاستنزاف المقاومة، انقلب ضده ليصبح سيفا مسلطا على رقابهم. فكل يوم إضافي في هذا المستنقع يعني مزيدا من النزيف الاقتصادي والبشري، ومزيدا من التآكل في صورة الردع الإسرائيلية التي تحطمت فوق صخرة الصمود الجنوبي، وفترة الأيام العشرة القادمة ستكون هي الفيصل في تحديد مسار الصراع لسنوات طويلة، فإما أن يرضخ العدو لمطالب المقاومة وينسحب مهزوما من الجنوب، أو يختار المضي قدما في سياسة الهروب إلى الأمام عبر توسيع رقعة الحرب، وهو الخيار الذي سيواجه برد صاعق يغير وجه المنطقة.
إن الحقيقة التي يجب أن يدركها العالم هي أن إسرائيل اليوم تعيش أسوأ مراحلها الاستراتيجية منذ نشأتها، فهي عالقة بين فكي كماشة، لا تستطيع التقدم لتأمين أهدافها، ولا تجرؤ على الانسحاب خوفا من السقوط السياسي المروع. إن مقتلة الغزاة في الجنوب اللبناني، مدعومة بسلاح المسيرات الفعال والقدرات الصاروخية الدقيقة الكامنة، تجعل من الهزيمة الإسرائيلية حتمية تاريخية لا مفر منها، وستظل هذه الأرض تلفظ كل من تسول له نفسه تدنيس ترابها، معلنة بداية عصر جديد تسوده إرادة الشعوب الحرة وتتهاوى فيه عروش الطغاة والمستعمرين تحت ضربات المقاومين الأبطال الذين يكتبون بدمائهم أسمى آيات الفداء والنصر المؤزر، ويؤكدون أن زمن استباحة الأرض قد ولى إلى غير رجعة، وأن الميدان وحده هو من يملك الكلمة الفصل في هذا الصراع الوجودي الطويل.



