رأي

عام على وقف النار: بين الأمل المرهون وخيمة الانتهاكات — قراءة في عقد الهشاشة (العميد بهاء حلال) 

 

العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال -الحوار نيوز

 

مقدمة

 

في 27 نوفمبر 2024 دخل وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيّز التنفيذ، بعد أكثر من سنة على صدامٍ دموي بين الطرفين بدأ مع اندلاع الحرب على غزة عام 2023 ثم توسّع على الجبهة اللبنانية.

 

كان الهدف من الاتفاق —

الذي توسطت فيه دول غربية وفي مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا — إعادة الهدوء إلى الجنوب اللبناني، إعادة انتشار الجيش اللبناني مع قوة حفظ سلام دولية (اليونيفيل)، وضمان أمن المدنيين، وفتح طريق للعودة الآمنة للنازحين، وإغلاق ملف الحرب المفتوحة.

 

ولأننا اليوم نحتفل بمرور عام على هذا الاتفاق، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التقييم: ولنعرف ماذا حقق؟

 

1. *وقف القتال المفتوح*

– في أعقاب التصعيد المتبادل بين حزب الله وإسرائيل، كان الاتفاق،

لوقف القصف الإسرائيلي الشامل، والرد الصاروخي شبه اليومي الذي كان يؤرق مدن الجنوب ومحيط الحدود.

– *ادعاءات اسرائيلية واميركية :  باستمرار عمليّات تسليح وإعادة انتشار لحزب الله جنوب وشمال الليطاني* — وهو ما يثير القلق الإسرائيلي ويُبرر في نظره ونظر الغرب والاميركي الخروقات الاسرائيلية

– *شلل فعلي في تنفيذ كامل شروط الاتفاق*: الانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل لا بل احتلت اسرائيل منطقة ممتدة من تلة اللبونة الى تلة الحمامص وبعض تلال شبعا وكفرشوبا ، وخروقات توغلية اسرائيلية من نوع دوريات  المراقبة  لليونيفيل والجيش اللبناني لم تؤمّن الهدوء المأمول.

– *معاناة السكان المدنيين*: القصف المتقطع والمتواصل احيانا كان يؤدي الى  تهجير جزئي مع نوبات  الخوف الدائم من انتكاسة بالاضافة لمناورات القوة الاسرائيلية، ما أبقى الجنوب في وضع اضطراب دائم رغم ما سمي “بالتهدئة”.

 

ثالثاً: الخفايا — ما لم يُقل أو يُكتب كثيرًا

 

– *آلية “الميكانيزم” السرّية*: الغموض يلف دور لجنة المراقبة المشتركة (بقيادة اميركية ) وآلية تنفيذ إعادة انتشار السلاح، وإعادة تسليمه أو تخزينه، وإلى أي مدى تُطبّق فعليًا. بعض التقارير تشير إلى وجود “تنسيق أمني مخفي” بين بعض أطراف الدولة ومخابرات غربية — ما يثير شبهات عن خفر النار دون شفافية.

– *الضغوط على لبنان لتطبيع العلاقة مع إسرائيل*: في الأروقة الغربية، طُرحت مبادرات تعتقد أن خطوة إعادة انتشار الجيش اللبناني — مع تسوية سياسية لـ “قضية سلاح حزب الله” — هي مدخل لفتح سوق استثمارات وإعادة إعمار تحت رعاية دولية. لبنان يجد نفسه بين رغبة جماعية بالاستقرار، وابتزاز سياسي تحت شعار

– السلام بالقوة  “السلام مقابل التنمية”.

– *غياب رؤية وطنية واضحة على المدى المتوسط*: على الرغم من الشروط الأمنية والسياسية، ليس هناك مشروع وطني موحد — بين الأحزاب الرسمية والمقاومة — يحدد كيف سيتم ضمان أمن لبنان وسيادته في ظل هكذا هدوء مشروط.

 

رابعاً: لماذا فشل الاتفاق في أن يكون “اتفاق سلام دائم”؟

 

1. *اختلاف التفسيرات وشروط التنفيذ*

– إسرائيل ترى أن أي تحرك لحزب الله جنوب الليطاني هو خرق كامل للاتفاق؛

– حزب الله مؤمن أن سلاحه يجب أن يبقى لحفظ أمن لبنان طالما الاحتلال مستمرّ في احتلال اراضي لبنانية

=> هذا التعارض البنيوي جعل من الاتفاق نوعًا من “وقف نار هش”، لا سلام فيه ولا هدوء.

 

2. *ضغوط خارجية مستمرة*

– من الولايات المتحدة، التي تشترط نزع سلاح المقاومة كشرط للاستقرار؛

– من إسرائيل التي ترى في أي إعادة تسليح المقاومة تهديدًا وجوديًا.

 

3. *ضعف الدولة اللبنانيّة*

– الجيش اللبناني يقوم بما عليه لتنفيذ الخطة المرسومة من قبل السلطة التنفيذية ،  وقد صادر الإمكانات والقدرات والمنشئات لفرض سيطرته الكاملة جنوبًا.

– غياب اي توافق سياسي وطني حول استراتيجية دفاعية شاملة.

 

4. *غياب ضمانات تنفيذ دولية حقيقية*

– اليونيفيل كمراقب لا تملك أداة تنفيذ فعالة، خصوصًا ضد خروقات إسرائيلية على أرض الواقع.

 

خامساً: ماذا بقي من الأمل؟ وما هي مآلات المرحلة القادمة؟

 

– لا تزال هناك فرصة لـ:

– *اتفاق سياسي داخلي* حول سلاح المقاومة كجزء من استراتيجية دفاعية للدولة، تشمل ضمانات أمنية للبنان مقابل نزع تدريجي للسلاح خارج إطار الدولة.

– *مبادرة دولية* لإعادة ترسيم الحدود، انسحاب إسرائيلي كامل، وتوسيع دور الدولة اللبنانية والجيش.

– *استقرار انساني*، عودة المهجّرين، وإعادة إعمار الجنوب بشرط حماية الضمانات.

 

– لكن *السيناريو الأسوأ* حقيقي أيضًا:

 

– الاتفاق أعاد بعضًا من الأمل إلى مئات الآلاف من النازحين، وقلّل من خسائر بشرية إضافية كانت مرشّحة للارتفاع لولا التهدئة.

 

2. *إرجاع بعض السيطرة للدولة اللبنانية*

– بموجب الاتفاق، تحرك الجيش اللبناني مع “اليونيفيل” لملء فراغ السيطرة الأمنية في الجنوب وحماية المدنيين.

– كما تم تسليم عدد من مخابئ الأسلحة المتروكة إلى الجيش، بحسب تقارير دولية.

 

3. *إعادة الأمل بإنهاء النزاع*

– الاتفاق وفر مناخًا مؤقتًا — وإن هشًّا — للحوار والتفاوض حول مستقبل الجنوب والحدود، ما شكّل مدخلاً محتملًا لترتيبات سياسية وإقليمية تضمن التهدئة الطويلة.

 

4. *إعادة اجتماعية وإنسانية للنازحين*

– مع التهدئة الجزئية، عاد عدد من النازحين إلى قرى كانوا اضطروا لتركها أو النزوح منها، وهو ما قلل من الأزمة الإنسانية على بعض العائلات.

 

ثانياً: ما جرى منذ التوقيع — الانتهاكات، الخروقات، والضبابية الأمنية

 

رغم الهدنة الرسمية، مرت الأشهر الاثني عشر الماضية بـ «ميزان هش»:

 

– *أكثر من 10,000ا انتهاك* سجلها “اليونيفيل” بين خروقات جوية وبَرّية منذ نهاية 2024.

– *اغتيالات وضربات جوية داخل لبنان*: أبرزها مقتل القائد العسكري في ح زب الله هيثم الطبطبائي في ضاحية بيروت الجنوبية، في ضربة إسرائيلية في تشرين الثاني 2025 — أول ضربة من نوعها منذ الاتفاق.

الفرصة لا تزال أمام الدولة والمجتمع لإحياء “عهد الهدنة” إلى “عهد استقرار دائم”، لكن ذلك يتطلب إرادة وطنية نشطة، إصلاحًا داخليًا حقيقيًا، وضمانات دولية. بدون ذلك، فإن «السلام الهش» اؤسقد يتحول مجددًا إلى «نار مفتوحة».

وفي غياب إرادة جدية لضمان التهدئة، يبقى السؤال مُعلّقًا: هل سنُعيد كتابة الفصل الأخير من هذه الحرب، أو نبدأ فصلاً جديدًا من بناء الدولة — والسلام الحقيقي؟

 

– تجدد القصف والاغتيالات يؤدي إلى تفجير الوضع مجدّدًا؛

– اندلاع حرب شاملة بين الحزب وإسرائيل تحت ذريعة خرق وقف النار؛

– انهيار الاتفاق وعودة النزاع إلى نقطة الصدام الكلي.

 

سادساً: توصيات موضوعية — كيف نُحيي ما تبقى من فرصة؟

 

1. *إطلاق حوار وطني شامل*: يشمل الدولة، المقاومة، الفئات السياسية، المجتمع المدني. الهدف: استراتيجية دفاع وطنية بعيدة عن محاور إقليمية.

2. *ضمان الشفافية في “الميكانيزم”*: الإعلان عن تقرير مرحلي عن الأسلحة، المواقع، المواقع المخزنة، والآلية التي ستنقل السلاح خارج الجنوب أو داخل مخازن الدولة.

3. *تعزيز قدرات الجيش اللبناني*: تدريب، تمويل، دعم دولي — ليكون هو الضامن الحقيقي للسيادة.

4. *آليات دولية مراقبة فعالة*: تحويل “يونيفيل” إلى قوة مراقبة محايدة حقًا، مع آليات تنفيذ ضد أي خرق — برّي أو إسرائيلي.

5. *برنامج إعادة إعمار وحماية مدنية*: دعم النازحين، ترميم البنى التحتية، حماية المناطق اللبنانية الحدودية بغطاء دولي.

6. *مسار تفاوض سياسي دبلوماسي*: مبادرة سلام تضم ترسيم الحدود، انسحاب الاحتلال، ضمانات دولية، دون إسقاط حق الدفاع الشرعي للبنان طالما الاحتلال مستمر.

 

خاتمة: وقف نار أم مؤقت للجراح؟

 

بعد عام على وقف إطلاق النار، يبقى جنوب لبنان — كما اللبنانيون — في مفترق طرق: هل هو حقًا على شفا سلام يستند إلى دولة وسيادة، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل فورة جديدة؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى