ما لم أكن أودّ قوله يومًا: قواعد أساسية في مفاوضات لبنان مع العدو(محمد هاني شقير)

محمد هاني شقير – الحوارنيوز
قد يصبح التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أمرًا واقعًا في المستقبل القريب، ما يفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات الجوهرية حول مرحلة ما بعد دخوله حيّز التنفيذ. وتفرض هذه المرحلة على اللبنانيين مقاربة واعية تتيح الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من أي متغير سياسي أو أمني قد يطرأ.
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والتوازنات الدولية المعقدة، يجد لبنان نفسه أمام واقع بالغ الحساسية، حيث يظهر اختلال واضح في موازين القوى مع إسرائيل. فمن الناحية العسكرية والتكنولوجية، تمتلك إسرائيل تفوقًا نوعيًا وكميًا يمكّنها من فرض معادلات ردع قاسية، مدعومة بشبكة تحالفات دولية متينة وقدرات استخباراتية متقدمة، في حين يعاني لبنان من محدودية الإمكانات وتراجع قدراته الدفاعية نتيجة الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، التي انعكست سلبًا على مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية.
ولا يمكن فصل هذا الاختلال عن الواقع الداخلي الهش، الذي يتسم ببنية سياسية طائفية معقدة تجعل من اتخاذ القرار الوطني عملية بطيئة ومليئة بالتجاذبات. فالنظام القائم على المحاصصة، رغم مساهمته سابقًا في الحفاظ على نوع من التوازن، بات اليوم يشكّل عائقًا بنيويًا أمام بناء دولة حديثة قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات المصيرية. كما أن تداخل المصالح الإقليمية والدولية داخل الساحة اللبنانية يزيد من تعقيد المشهد ويُضعف القدرة على صياغة سياسة خارجية موحدة.
إلى جانب ذلك، يعيش لبنان واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث، ما أدى إلى تراجع الثقة الداخلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها. ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على الوضع المعيشي للمواطنين، بل يمتد ليطال قدرة الدولة على الصمود في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية وشجاعة تنطلق من الاعتراف بأن الخيارات المتاحة باتت محدودة، وأن الاستمرار في السياسات التقليدية لم يعد مجديًا. ومن هنا، لم تعد فكرة المفاوضات مع إسرائيل خيارًا مستبعدًا كما في السابق، بل أصبحت احتمالًا تفرضه مصلحة البلاد العليا، خصوصًا في ظل المتغيرات الإقليمية واتجاه عدد من الدول نحو تسويات سياسية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار. وتُظهر التجارب الدولية أن التفاوض، رغم تعقيداته، يمكن أن يكون أداة فعالة لإدارة النزاعات والحد من التصعيد، بل وقد يتيح تثبيت الحقوق، سواء في ما يتعلق بالحدود أو الموارد الطبيعية أو الأمن القومي.
غير أن الانخراط في هذا المسارلا يمكن أن يتم في ظل الانقسام الداخلي الحاد، بل يتطلب أولًا معالجة هذا الانقسام وترتيب البيت الداخلي. ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني جامع برعاية رئيس الجمهورية، يضم مختلف القوى السياسية، إضافة إلى ممثلين عن المؤسسات الدستورية والهيئات الاقتصادية والمجتمع المدني، على أن يكون منصة فعلية لحوار عميق وصريح حول مستقبل البلاد وخياراتها الاستراتيجية، لا مجرد لقاء شكلي.
ويفترض أن يهدف هذا المؤتمر إلى بلورة رؤية وطنية موحدة تنطلق من المصالح العليا للبنان، بعيدًا عن الحسابات الفئوية والاصطفافات الخارجية. كما ينبغي أن يناقش مسألة حصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، بما يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة القادرة والعادلة. وفي هذا الإطار، يمكن التعامل مع سلاح حزب الله ضمن مقاربة وطنية تعتبره عنصر قوة يُوظَّف ضمن استراتيجية تفاوضية تخدم مصلحة لبنان العليا.
ولا يكفي انعقاد المؤتمر بحد ذاته، بل ينبغي أن يفضي إلى تبنّي مجموعة واضحة من التوصيات السياسية والأمنية والاستراتيجية، التي تشكّل إطارًا ناظمًا لأي عملية تفاوضية محتملة. ويجب أن تتضمن هذه التوصيات تحديدًا دقيقًا لأهداف التفاوض وحدوده، وآليات إدارته، والجهة المخوّلة تمثيل لبنان فيه، بما يضمن وحدة الموقف التفاوضي ويمنع التشتت أو التضارب في الرسائل السياسية. فنجاح أي عملية تفاوضية يرتبط أولًا بصلابة الجبهة الداخلية ووضوح الرؤية السياسية.
وفي هذا الإطار، يمكن للبنان أن يتجه إلى المفاوضات ضمن مظلة عربية ودولية، حيث تلعب دول محورية دورًا في تأمين الغطاء السياسي والدبلوماسي، إلى جانب دعم المجتمع الدولي والقوى الكبرى المؤثرة. ومن شأن هذه الرعاية أن تعزز الموقع التفاوضي للبنان وتوفر له ضمانات إضافية في أي اتفاق محتمل.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في دوامة الأزمات والانقسامات، وما تحمله من مخاطر متزايدة، أو التوجه نحو خيارات صعبة لكنها ضرورية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إن الواقعية السياسية، المقترنة بإرادة وطنية جامعة، قد تكون السبيل الوحيد لعبور هذه المرحلة الدقيقة، والحفاظ على لبنان كدولة قادرة في عالم لا يرحم الضعفاء.



