على حافة الانفجار: من يدفع لبنان نحو السقوط الكبير؟(أسامة مشيمش)

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
يقف لبنان اليوم أمام لحظة مصيرية هي الأخطر منذ سنوات طويلة، في ظل مشهد سياسي وأمني واجتماعي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. فالأزمة لم تعد مجرد خلافات سياسية عابرة أو تباينات في وجهات النظر بين القوى المتنافسة، بل تحولت إلى حالة من الانقسام العميق الذي يهدد ركائز الاستقرار الوطني ويعيد إلى الأذهان صوراً قاتمة من مراحل سبقت الحرب الأهلية اللبنانية.
في السنوات الأخيرة، شهد اللبنانيون حملة سياسية وإعلامية متصاعدة استهدفت بصورة مباشرة بيئة المقاومة وخياراتها الوطنية، وسعت إلى تقديم مفاهيم كانت تُعتبر في السابق مرفوضة شعبياً وأخلاقياً على أنها وجهات نظر تستحق النقاش والاحترام. وقد ترافق ذلك مع خطاب سياسي متشنج ساهم في تعميق الشرخ بين اللبنانيين بدل البحث عن مساحات مشتركة تحفظ السلم الأهلي وتحصّن البلاد في مواجهة التحديات الخارجية.
وتزداد المخاوف عندما تصدر مواقف وانتقادات من شخصيات كانت على تماس مباشر مع مراكز القرار. فالتصريحات المنسوبة إلى المدير العام السابق لوزارة الإعلام الأستاذ محمد عبيد، والتي تحدث فيها عن انقلاب الرئيس جوزاف عون على العماد جوزاف عون، أثارت تساؤلات كبيرة حول حقيقة ما يجري داخل السلطة وحول طبيعة الخيارات السياسية التي تُدار من خلالها الدولة في هذه المرحلة الدقيقة. وعندما يأتي هذا الكلام من شخصية تُعرف بقربها من دوائر القرار، فإن ذلك يمنحه بعداً سياسياً لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته.
في المقابل، يرى كثيرون أن السياسات التي يتبعها رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، بالتعاون مع رئيس الحكومة ومحيطه، لا تساهم في تهدئة الاحتقان القائم، بل تؤدي إلى زيادة التوتر وإلى تعميق مشاعر الإقصاء لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. ويعتبر هؤلاء أن بعض القرارات والمواقف الرسمية تجاوزت حدود الخلاف السياسي المشروع لتصل إلى مستوى استهداف خيار المقاومة وتجريم بيئتها الشعبية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الوحدة الوطنية ويغذي مشاعر الغضب والمرارة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الخلاف حول سلاح المقاومة أو دورها، بل في المناخ العام الذي يتشكل داخل المجتمع اللبناني. فالفجوة بين الطوائف والمذاهب تتسع بصورة مقلقة، والاحتقان الناتج عن الحروب والدماء والمجازر التي شهدتها المنطقة ما زال حاضراً في الوجدان الشعبي. وفي ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق، يصبح أي خطاب استفزازي أو أي ممارسة سياسية إقصائية بمثابة صبّ للزيت على نار مشتعلة أصلاً.
لقد انتهت الحرب الأهلية باتفاق الطائف بعد خمسة عشر عاماً من الدمار والمعاناة، وكان الهدف منه بناء دولة الشراكة والتوازن ومنع عودة لبنان إلى منطق الغلبة والاستئثار. أما اليوم، فإن الخشية تتزايد من محاولات الالتفاف على هذه المعادلة أو إعادة إنتاج صراعات الماضي بأشكال جديدة أكثر خطورة.
إن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع القوى السياسية، وفي مقدمتها السلطة الحاكمة، مراجعة خياراتها وخطاباتها قبل فوات الأوان. فلبنان المنهك لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات، والشارع الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الأزمات لم يعد قادراً على تحمل مغامرات سياسية جديدة. وإذا استمر النهج الحالي القائم على التصعيد والاستفزاز وتجاهل الهواجس الوطنية لفئات واسعة من اللبنانيين، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام منعطف خطير لا تُحمد عقباه، وعندها لن يكون الخاسر فريقاً دون آخر، بل لبنان بأكمله


