التدقيق الجنائي في حلته الجديدة(عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
شكل إعلان مصرف لبنان عن إرساء مناقصة تدقيق جنائي جديد لصالح شركة Alvarez & Marsal خطوة لافتة في توقيتها ومضمونها. التدقيق الجديد يغطي الفترة الممتدة بين اول تشرين الأول 2019 ونهاية كانون الأول 2023 ، وهي الفترة التي شهدت ذروة الانهيار، وهدر الاحتياطيات بالعملات الأجنبية عبر آليات الدعم والتعاميم الملتوية.
لكن ، أمام هذا الترحيب البروتوكولي ، يفرض الواقع الاقتصادي والقانوني طرح أسئلة مشروعة ، اولها ، ما الذي تغير فعلياً بين التدقيق الأول والتدقيق الحالي؟ وثانيها ، هل ننتظر تقريراً استعراضياً آخر يمنع استخدامه كأداة للملاحقة القضائية، أم أننا أمام مقاربة مختلفة؟
في التقرير الأولي لشركة A&M (الذي غطي الفترة حتى نهاية 2020)، واجهت الشركة جداراً سميكاً من حجب المعلومات تذرعاً بقانون السرية المصرفية ، قبل تعديله جزئياً وموقتاً . والأخطر من ذلك ، أن العقد الموقع آنذاك مع وزارة المالية تضمن بنداً تقييدياً صارماً يمنع الدولة اللبنانية من استخدام التقرير كـمستند إثبات قانوني أو كدليل مادي مباشر أمام المحاكم والجهات القضائية دون موافقة خطية مسبقة من الشركة ، مما جعل التقرير أداة تشخيصية “للاستئناس” لا للمحاسبة.
ما الذي تغير في هذا التلزيم؟
البيان الأخير يشير إلى تحول بنيوي في الآلية من خلال ثلاث ركائز:
مظلة قانون الشراء العام (رقم 244/2021): للمرة الأولى ، يخرج العقد من دائرة التكليف المباشر والصفقات الغامضة إلى دائرة المناقصة العمومية المفتوحة والتقييم الإداري والمالي والتقني المشترك بين المصرف المركزي ووزارتي العدل والمالية.
الاستهداف المحدد للعمليات (Selected Transactions): التقرير الأول كان أفقياً ومراجعة عمليات محددة ، أما التدقيق الحالي فيركز على الأصول الخارجية للمصرف (BdL’s foreign assets). هذا التحديد يمنع التذاكي في حجب الحسابات ويوجه البوصلة مباشرة نحو قنوات خروج الدولار.
الإفصاح المسبق عن النية القضائية: نص البيان صراحة على أن التقرير سيساهم في دعم الجهات المختصة لدى وزارة المالية ووزارة العدل في تحديد وملاحقة الحالات… وإحالته رسمياً للوزارتين . هذا النص التمهيدي يعكس تغيراً في الشروط التعاقدية (Terms of Reference)، حيث تفرض الصياغة الجديدة لوزارة العدل أن يكون المنتج النهائي قابلاً للتوظيف القضائي ، وهو ما يتناقض مع قيود العقد السابق.
النهج الجديد للحاكمية : هل انتهى زمن “السمسرة والهندسات”؟
عند مقارنة أداء الحاكمية السابقة بالحاكمية الحالية ، يتضح أن هناك محاولة لقطع الهوية الوظيفية السابقة للمصرف المركزي.
تاريخياً، تحول مصرف لبنان إلى صانع سوق غير شرعي وموزع مغانم عبر الهندسات المالية ، ومنصات الصيرفة الغامضة ، وتغطية عجز الموازنة من أموال المودعين ، وهو ما اصطلح على تسميته بوظيفة السمسرة وتثبيت النظام المالي الزبائني .
الحاكمية الحالية تنتهج ، حتى الآن ، سياسة انكماشية وتطهيرية نسبياً لأسباب نقدية وتقنية تعتمد على :
1. وقف تمويل الدولة : رفض الحاكم الاستمرار في إقراض الدولة من الاحتياطي الإلزامي دون غطاء تشريعي صارم من مجلس النواب.
2. شفافية المناقصة : إشراك وزارتي العدل والمالية في الإشراف يعكس رغبة في توزيع المسؤولية السياسية والقانونية ، والخروج من عباءة القرار الفردي (Autocracy) الذي ميز الحقبة السابقة.
3. ضبط النزيف الفوري : وقف منصة صيرفة السابقة التي كانت تشكل بؤرة للربح غير المشروع وفروقات الأسعار لصالح المحظوظين ، واستبدالها بآليات أكثر انضباطاً وإن كانت غير مكتملة بنيوياً بدون خطة تعافٍ شاملة .
لذلك، يمكن القول إن الحاكمية الحالية تحاول إدارة الإفلاس القائم بالحد الأدنى من الأضرار بانتظار الحل السياسي والمالي الشامل.
ما هي الجدوى الاقتصادية والعملية من التقرير الجديد؟
إذا تم التدقيق على نفس قواعد ومعايير التقرير الأول دون تطوير، سنكون أمام هدر جديد للمال العام وهو كلفة التدقيق نفسه . لكن ، إذا تمت الاستفادة من الثغرات السابقة ، فإن التقرير الجديد سيحمل قيمة مضافة استثنائية من خلال ثلاثة مسارات :
1. كشف المسار المالي للدعم بحيث يتم تحديد كارتيلات الاحتكار والتهريب الممنهج .
2. تتبع التحويلات الخارجية عبر رسم خريطة الأموال التي خرجت للمصارف المراسلة .
3. بناء خطة إعادة هيكلة المصارف عبر تحديد الفجوة الحقيقية وتوزيع الخسائر بعدالة .
هذه المسارات يمكن ان تصل الى النتائج التالية :
1. تفكيك الصندوق الأسود لبرامج الدعم
أنفقت الحكومات المتعاقبة ومصرف لبنان ما يقارب 11 إلى 12 مليار دولار تحت مسمى دعم السلع الأساسية منها المحروقات، الدواء، والطحين . التقرير الجديد يمكن ان يكشف عن أسماء الشركات والجهات التي استفادت من هذه الدولارات المدعومة على سعر 1500 أو 3900 ، لبيان ما إذا كانت السلع قد دُفعت لجهات وهمية أو هُرّبت ، مما يتيح للدولة اللبنانية إقامة دعاوى إثراء غير مشروع واسترداد هذه الأموال.
2. تدقيق الحسابات الجارية للمصارف في الخارج
شكلت التحويلات من مصرف لبنان إلى حسابات المصارف التجارية في الخارج علامة استفهام كبرى بعد تشرين 2019 . التدقيق في هذه الحسابات سيكشف بوضوح من هم أصحاب النفوذ والمحظوظين (Politically Exposed Persons – PEPs) الذين تمكنوا من تهريب أموالهم وسحب سيولتهم إلى الخارج في وقت كان فيه المواطن اللبناني يخضع لـكابيتال كونترول واقعي واستنسابي صارم.
3. إرساء قاعدة بيانات لإعادة هيكلة القطاع المصرفي
لا يمكن بناء أي خطة تعاف مالي ، أو تحديد حجم الفجوة المالية بدقة ، دون معرفة مصير الأصول الخارجية للمصرف المركزي . التقرير من المفترض سيعطي الأرقام الحقيقية والنهائية التي يبنى عليها لتوزيع الخسائر بعدالة ، وتحديد المسؤوليات بين الدولة ، المصرف المركزي ، والمصارف التجارية ، بعيداً عن التقديرات الاسنتسابية .
إن العبرة في هذا التدقيق الجنائي الجديد تكمن في التحرير القانوني لنتائجه . إن نجاح وزارة العدل ووزارة المالية في فرض صياغة تعاقدية تتيح استخدام التقرير كمستند رسمي أمام القضاءين المحلي والدولي ، خاصة في ظل الدعاوى المرفوعة أوروبياً ، هو المحك الأساسي . بدون هذا التحرير ، سيبقى التدقيق مجرد مرآة أكاديمية تؤرخ لكيفية تبديد ثروة اللبنانيين ، دون أن تملك القدرة على محاسبة الفاعلين.


