قالت الصحف: مخاوف من اتساع الهوة الداخلية.. لا هدنة رسمية حتى الآن..

الحوارنيوز – صحافة
الهمّ الأول للسلطة في لبنان هو العمل على تظهير المشهد الدولي والمساعي الديبلوماسية دون أي أثر للجهود العلنية لإيران لجهة شمول وقف النار لبنان، فيما هي سلمت أمرها للإدارة الأميركية الراعية الرسمية والداعمة الوحيدة للعدوان المتواصل على لبنان.
داخليا، استمر الانقسام الوطني حيال مبدأ التفاوض المباشر وموقف السلطة من المقاومة وذهاب المفاوض اللبناني خالي الوفاض.
ماذا في التفاصيل؟
- صحيفة النهار عنونت: تصعيد غداة جولة واشنطن لم يبدّد الدفع الأميركي… وقف النار محور جهود لبنانية ولا صلة لإيران
وكتبت تقول: بدا من الصعوبة البالغة التكهّن مسبقاً بالمسار الذي سيسلكه الميدان كما بمسار الخيار الديبلوماسي، غداة جولة واشنطن التي جمعت ممثلي لبنان وإسرائيل مباشرة برعاية أميركية. ذلك أن الواقع الميداني لم يتبدّل إطلاقاً بل شهد تصعيداً عنيفاً للعمليات الاسرائيلية بدت بمثابة رسالة واضحة إلى رفض إسرائيل أي وقف نار قبل تحقيق أهداف ميدانية آنية. أما من الجانب اللبناني، فغلب الترقّب الثقيل لمجريات المشاورات الديبلوماسية التي يبدو أنه اتفق عليها بين لبنان والراعي الأميركي في جولة واشنطن. كما أن المسؤولين المعنيين بدوا في أجواء المحاولات الأميركية لإقناع إسرائيل بوقف نار سريع وضمن مهلة معينة كمؤشر إلى التحوّل الاستراتيجي الذي واكب المحادثات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن. وعلى رغم تصاعد الحديث والتقارير بعد ظهر أمس عن موضوع وقف النار، قالت مصادر وزارية لبنانية لـ”النهار” إن وقف إطلاق النار لا يزال رهينة الميدان، وتحديداً معركة بنت جبيل، حيث تسعى إسرائيل إلى تحقيق إنجاز عسكري قبل الذهاب إلى أي تهدئة ما يعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تُستخدم لاحقاً في التفاوض. وفي المقابل، وصفت هذه المصادر أجواء الاجتماع اللبناني – الإسرائيلي في واشنطن بأنها كانت “ايجابية” بل حملت مؤشرات إلى وجود نية لفتح قناة تفاوضية جديّة، مع تسجيل دور أميركي واضح في الدفع نحو هذا الاتجاه. ولفتت إلى أن واشنطن كثّفت جهودها خلال الاجتماع لتقريب وجهات النظر، واضعة إطاراً أولياً لمسار تفاوضي مباشر يُفترض أن يتبلور في المرحلة المقبلة بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار. ونقل أمس عن رئيس الجمهورية جوزف عون قوله إن “المسار التفاوضي انطلق ونقطة الانسحاب الإسرائيلي مهمّة جداً، ولبنان لن يفرّط بأي شبر من أراضيه”. وأشارت المعلومات إلى أن سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض أبلغت الرئيس عون أنّ الأميركيين كانوا ممتازين في المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية.
هذا المشهد تبدل نسبياً عصر أمس، إذ اعتبرت مصادر رسمية أن الحديث المتصاعد عن وقف لإطلاق النار هو نتيجة مباشرة للجهود التي يقودها رئيس الجمهورية جوزف عون، ولا سيما مبادرته القائمة على ربط التهدئة بإطلاق مسار تفاوضي مباشر.
وأوضحت المصادر أن التحرك اللبناني تُوّج بالاجتماع الذي عُقد في واشنطن، وما تبعه من اتصالات رفيعة المستوى، أفضت إلى طلب أميركي واضح من إسرائيل بإبداء إيجابية ودرس وقف إطلاق النار، تجاوبًا مع المبادرة اللبنانية وحرصًا على إنجاح المسار التفاوضي.
وكشفت أن واشنطن واكبت هذه المبادرة عبر سلسلة تدخلات، شملت الضغط لمنع استمرار استهداف بيروت بعد اليوم الدموي، والعمل على إقناع إسرائيل بقبول مبدأ التفاوض، وصولًا إلى الدفع نحو هدنة مؤقتة تتيح إطلاق المفاوضات.
وبحسب المصادر، يتمثل الطرح اللبناني بهدنة لمدة أسبوعين، تُستهل خلالها مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بما يفتح الباب أمام معالجة أوسع للنقاط العالقة.
وفي المقابل، شددت مصادر ديبلوماسية غربية على أن ما يجري هو ثمرة الجهد اللبناني حصراً، نافيةً أي دور لإيران في الدفع نحو وقف إطلاق النار، ومؤكدة أن طهران، ومعها “حزب الله”، كانت تعارض فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، في وقت يعلن فيه الحزب رفضه المفاوضات.
وساد تضارب تقارير الإعلام الاسرائيلي حول وقف النار قبيل انعقاد اجتماع الكابينت الاسرائيلي ليلاً لدرس الموقف من الطلب الأميركي بوقف النار والموافقة عليه. ولاحقاً أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يستعدّ لإمكانيّة وقف النار مع لبنان بدءًا من اليوم ولمدة أسبوع. وافادت القناة 12 الإسرائيلية أن الجيش الاسرائيلي بدأ بالفعل الاستعداد لإشارة “توقّف” من المستوى السياسي.
وعلى غرار المرة السابقة التي فشلت فيها محاولة طهران ادّعاء الزعم بوقف النار في لبنان بفعل تدخلها وشروطها التفاوضية مع واشنطن، انبرى الإعلام الموالي لإيران كما بعض نواب “حزب الله” إلى الحديث عن ضغط إيراني مزعوم لإقرار وقف النار في لبنان لمهلة أسبوع حتى نهاية فترة وقف النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
على الصعيد السياسي الداخلي، تتّجه الأنظار إلى موقف منتظر لرئيس مجلس النواب نبيه بري عبر “كتلة التنمية والتحرير” إثر زيارة معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى المملكة العربية السعودية واجتماعه مع المعني بملف لبنان الأمير يزيد بن فرحان.
وعلى وقع حملة تخوين ضد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام، شنها إعلام “حزب الله” ومناصروه على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبر عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله أمس، أن “السلطة في بيروت غير مؤهلة وتتغلب فيها المصالح الفردية وأحيانا الطائفية على حساب الوطن”. ورأى أن السلطة “تمعن في تقديم التنازلات للعدو ودخلت مسارًا خاطئاً يزيد الشرخ بين اللبنانيين، وعلى السلطة اللبنانية أن تعيد النظر في حساباتها وتعود إلى شعبها”، مشيرًا إلى “انها هي من سحبت الجيش من الجنوب لتتركه فريسة للاحتلال وتعطيه فرصًا مجانية”.
في المقابل، يُعقَد في فندق فينيسيا اليوم مؤتمر “إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح”، بدعوة من 14 نائبًا بيروتيًا، ويحضره نحو 100 شخصية من الفعاليات البيروتية، وذلك استكمالاً للاجتماعين السابقين اللذين عقدهما نواب بيروت الأسبوع الماضي، دعمًا لرئيس الحكومة نواف سلام وقرارات الحكومة المتعلقة بحماية بيروت وجعلها مدينة منزوعة السلاح، والبحث في كيفية تعزيز حمايتها ووضع خطة عملية للمتابعة.
وفي غضون ذلك، تقدمت وزارة الخارجية والمغتربين بشكوى إلى مجلس الأمن على خلفية الغارات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من المناطق اللبنانية لا سيما العاصمة بيروت بتاريخ 8 نيسان الحالي. وأشارت الرسالة إلى أنّ هذا التصعيد يُعدّ الأعنف منذ 2 آذار الماضي، وأنّ عدد الغارات بلغ نحو 100 غارة خلال أقلّ من عشر دقائق. وقد طالتْ أحياء سكنيّة مكتظة خلال ساعات الذروة ومن دون إنذار مسبق، ما أدّى إلى دمار واسع وسقوط مئات الضحايا، غالبيّتهم من المدنيّين العزّل. وقد بلغ عدد القتلى 303، بينهم 30 طفلاً و71 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 1150، من بينهم 143 طفلاً و358 امرأة. كما توقّفت الرسالة عند ما تعرّضت له المؤسّسات الطبيّة والإسعافيّة من اعتداءات منذ 2 آذار.
أما على الصعيد الميداني، فتركزت الاشتباكات أمس في بنت جبيل في نقاط عدة، أبرزها محيط مدرسة السرايا، مبنى الشرطة، البلدية، الملعب، البركة، وعين الحرة، وسط استمرار القصف العنيف على المدينة ومحيطها. وأفيد بعد الظهر عن تعرّض وسط مدينة بنت جبيل وأطراف يارون لقصف مدفعي عنيف، فيما دارت اشتباكات عنيفة بين عناصر من”حزب الله” والقوات الإسرائيلية.
وأعلن “حزب الله” أنه استهدف تجمّعات لآليّات وجنود الجيش الإسرائيليّ في بنت جبيل بعشر دفعات من الصّليات الصاروخية.
وفجّر الجيش الإسرائيلي منازل في الناقورة. وبينما قصف أيضاً قرى عدة جنوباً، موقعاً قتلى وجرحى، أعلن، “أن قوات لواء الاحتياط 8 التابعة للفرقة 91 تواصل عملية برية دقيقة في جنوب لبنان بهدف تعزيز خط الدفاع الأمامي”. ومع تجديد التحذير للسكان في جنوب نهر الزهراني لإخلاء المنطقة، أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أن “سلاح الجو هاجم أكثر من 200 بنية تحتية تابعة لـ”حزب الله” في جنوب لبنان خلال آخر 24 ساعة. وقال رئيس الأركان الإسرائيلي في جولة له على مناطق جنوبية أن لدى “حزب الله” أكثر من 1700 قتيل منذ بداية المعركة.
كما نفّذت مسيّرة إسرائيلية ضربتين على أوتوستراد السعديات- الجية الساحلي، استهدفت الأولى “فان” على طريق السعديات باتجاه الجية، فيما استهدفت الضربة الثانية سيارة على طريق الجية باتجاه صيدا. وأفيد عن سقوط ضحيتين في الغارة التي استهدفت الجية.
الديارعنونت: أجواء ترقب لاحتمال إعلان وقف إطلاق نار في لبنان
البلاد تنشطر الى لبنانين: الانقسام ينذر بخطر داخلي
وكتبت تقول: يبدو أن لبنان، الذي عاش قسوة «الأربعاء الأسود» وسالت فيه دماء الأبرياء في شوارع بيروت، كما في الجنوب والبقاع، يقف اليوم على حافة تحوّل دقيق بين نار التصعيد وبصيص التهدئة. فبعد موجة عنف غير مسبوقة، بدأت ملامح حراك دبلوماسي مكثّف تلوح في الأفق، في محاولة لانتزاع وقف لإطلاق النار، ولو لأيام معدودة لا تتجاوز الأسبوع.
هذا التوجّه، وإن بدا هشّاً، يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لخطورة الانزلاق نحو مواجهة أوسع، ويفتح نافذة أمل أمام اللبنانيين الذين أنهكتهم الحرب. وبين مشاهد الألم والانتظار، يترقّب الجميع ما إذا كانت هذه الهدنة المرتقبة ستشكّل مجرّد استراحة قصيرة، أم بداية لمسار أطول نحو التهدئة والاستقرار.
وفي هذا الاطار، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب ابراهيم الموسوي لرويترز ان الجهود الديبلوماسية التي تبذلها ايران ودول اخرى في الشرق الاوسط قد تؤدي الى وقف اطلاق النار في لبنان قريبا، مشيرا الى ان طهران تستخدم حصارها لمضيق هرمز كورقة ضغط.
من جهة الاعلام العبري، اشارت صحيفة «يديعوت احرونوت» ان الجيش الاسرائيلي يستعد لامكانية وقف اطلاق النار مع لبنان بدءا من اليوم ولمدة اسبوع كما ان صحيفة « معاريف» كشفت ان الاميركيين طلبوا دراسة خيار وقف اطلاق للنار في لبنان كبادرة اسرائيلية من شأنها ان تساعد في استمرار المحادثات. فهل يتحقق ذلك؟ وهل تلتزم اسرائيل وقف اطلاق النار في حال حصل ام انها ستنقلب عليه على غرار تجارب سابقة كثيرة؟
وفي النطاق ذاته، افادت صحيفة « نيويورك تايمز» الاميركية بأن نتنياهو ادرك بانه اذا لم يتقدم للمفاوضات المباشرة مع لبنان سيعلن ترامب وقف اطلاق النار بنفسه.
الداخل اللبناني يتشظى الى خيارين!!!
اما في الداخل اللبناني، فقد طفى الانقسام العميق على سطح الماء وخاصة بعد يوم الثلثاء الماضي حيث كان اللقاء التمهيدي بين لبنان واسرائيل في مفاوضات مباشرة بوساطة اميركية. وبدا لبنان كأنه انشطر إلى «لبنانين» متوازيين وهذه المرة بشكل واضح وفاضح، يفصل بينهما شرخٌ عميق ينذر بتداعيات خطيرة على الداخل، ويضع الوطن برمّته أمام اختبار وجودي هو الأخطر منذ عقود. فالمؤشرات تتقاطع عند حقيقة مقلقة: لبنان يقترب من حافة انفجار داخلي، فيما فكرة الوطن نفسه باتت عرضة للاهتزاز أكثر من أي وقت مضى.
في هذا المشهد، يتقدّم «لبنان الرسمي» إلى واجهة الأحداث، منخرطًا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بوساطة أميركية، ساعيًا إلى وقفٍ لإطلاق النار. خطوة قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تفتح الباب أمام مسار طويل ومعقّد، قد تتدحرج مراحله تدريجيًا نحو إعادة رسم طبيعة العلاقة بين الطرفين، وربما إلى ما هو أبعد من مجرد التهدئة. وقد ادى التصريح الذي ادلى به السفير الاسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر عقب لقائه بالسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض بحضور وزير الخارجية الاميركية ماركو روبيو والذي اوحى به بان هناك اتفاقا «على تحرير لبنان من حزب الله»، وان كانت بعض المصادر تفيد ان التصريح الذي كان مدار بحث على ارفع مستوى لدى الجهات المعارضة للمفاوضات، فاجأ اركان السلطة في لبنان الى حد الذي حمل مستشار احد المراجع العليا الى التحذير من «الهوة» التي اوقع لبنان نفسه بها والتي تنذر بتداعيات كارثية على البلاد والى حد التحذير من انفجار الساحة الداخلية.
في المقابل، يطفو على السطح «لبنان آخر»، لبنان المواجهة والرفض. هنا، يقف حزب الله ومعه بيئته الحاضنة على ضفة مغايرة تمامًا، رافضين أي طرح لنزع السلاح أو الدخول في مسار تفاوضي مع إسرائيل. بالنسبة إلى هذا الفريق، لا مكان للرهان على الدبلوماسية مع العدو الاسرائيلي، ولا جدوى من اتفاقات لا تستند إلى توازن قوة ميداني. وعليه، تبقى المقاومة العسكرية، في نظرهم، الخيار الوحيد لردع إسرائيل ودحرها.
بين هذين المسارين، يقف لبنان، الوطن، على مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو تسويات محفوفة بالمخاطر، أو التمسك بخيار المواجهة بما يحمله من أثمان باهظة. وفي ظل هذا الانقسام العمودي، يبدو أن السؤال لم يعد فقط عن شكل المرحلة المقبلة، بل عن قدرة لبنان نفسه على البقاء ككيان موحّد في وجه العواصف المتسارعة.
ماكرون يبدي استياءه من منطلق التفاوض اللبناني
في غضون ذلك، ترددت معلومات موثوقة تفيد بأن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون «غير راض» عن «نقطة الانطلاق» في المسار الرسمي اللبناني باتجاه المفاوضات مع اسرائيل، اذ كان على المسؤولين اللبنانيين الا يكتفوا فقط بالرعاية الاميركية للمفاوضات، دون ان تكون هناك اي ضمانات.
وكان قد لوحظ ان واشنطن ابلغت علنا المسؤولين اللبنانيين برفضها اي دور فرنسي يمكن ان يكون مؤثرا في صياغة الموقف اللبناني او في مواكبة ذلك المسار التي انتهجته الدولة اللبنانية والى حد اتهام معارضي المفاوضات بدخولها بمتاهة ديبلوماسية لا يدري اي من كبار السلطة اين تنتهي بهم. وفي هذا المجال، تنقل جهات لبنانية معنية عن مصادر فرنسية تخوفها من ان يكون لبنان وقع في المصيدة الاسرائيلية وبعدما بات واضحا ان تل ابيب لا تكترث بالاطار الذي حدده لبنان في الذهاب باتجاه انهاء الحرب مع اسرائيل، وهو الاجماع العربي وكذلك مقررات قمة بيروت عام 2002 والتي سبق لشارون ان نعاها حتى قبل ان تطوى اعلام الدول المشاركة امام فندق فينيسيا (بسبب التعديل الذي تم احداثه على المشروع الذي قدمه الملك عبدالله بن عبد العزيز قبل ان يتولى العرش) باضافة مادة تشترط عودة الفلسطينيين الى بلادهم دون الاكتفاء بمبدأ التعويض الذي لحظته المبادرة التي تردد في حينه ان الصحافي الاميركي البارز توماس فريدمان هو من وضعها بتكليف من الرياض وبعد التشاور مع ادارة الرئيس جورج بوش الاب.
- صحيفة الأخبار عنونت: المفاوضات المباشرة… امتداد للحرب
وكتب الزميل علي حيدر يقول: لم تنجح محاولات الترويج للمفاوضات المباشرة بين السلطة السياسية اللبنانية وكيان العدو الإسرائيلي كخطوة جدّية لوقف الحرب الإسرائيلية وتحرير أرض لبنان وأسراه وإعادة النازحين. فقليل من التأمل في خلفيات هذا المسار وسياقاته وأهدافه، يؤكّد أن ما يجري ليس انتقالاً من الحرب إلى السلم، بقدر ما هو إضافة أدوات سياسية لمصلحة الإسرائيلي والأميركي في هذه الحرب.
قرار بنيامين نتنياهو الموافقة على فتح قناة تفاوض مباشر، رغم رفضه السابق لها في بداية الحرب، لم يكن تراجعاً أو تنازلاً، وإنما انعكاس لقراءة إسرائيلية تعتبر أن اللحظة الحالية أصبحت تتطلّب ذلك على خلفية المتغيّرات التي أنتجتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ومواجهة حزب الله للحرب الإسرائيلية على لبنان.
من هذا المنطلق، تتعامل إسرائيل مع المفاوضات كأداة «منخفضة الكلفة». فهي لا تُلزِمها بتقديم تنازلات فعلية، لكنها تمنحها في المقابل فوائد عدة. أولاها، تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، عبر الظهور بمظهر الطرف المنفتح على الحلول السياسية. وثانيتها، وهي الأهم، إتاحة المجال للاستمرار في العمليات العسكرية في الجنوب، ولكن تحت ضغط دولي أقل، لأن وجود مسار تفاوضي يخفّف من الانتقادات. وممّا عزّز موقف إسرائيل في هذا المجال أنها أصبحت تروّج بأنها تهاجم مقاومة وبيئة تراهما الحكومة اللبنانية خارجتيْن عن القانون!
لكنّ المكسب الأعمق الذي يسعى إليه العدو يتعلق بالداخل اللبناني نفسه. فالمفاوضات، حتى لو لم تحقّق نتائج مباشرة، تؤدّي إلى تعميق الانقسام الداخلي. وهنا يكمن أحد أهداف إسرائيل غير المُعلنة: تحويل التباينات السياسية داخل لبنان إلى عنصر ضغط على المقاومة، بدل الاكتفاء بالمواجهة العسكرية المباشرة. وهذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادة الإسرائيلية بأن الحسم العسكري مع حزب الله خيار متعذّر. وهو ما أقرّت به قيادة جيش العدو التي أعلنت أن ذلك يتطلّب اجتياحاً كاملاً للأراضي اللبنانية. والتجارب السابقة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، أظهرت أن القوة العسكرية، رغم تفوّقها، لا تكفي وحدها لإنهاء هذا النوع من الصراعات. لذا، يتم اللجوء إلى أدوات أخرى، مثل الضغط السياسي، والحرب النفسية، واستثمار التناقضات الداخلية.
في الوقت نفسه، يتقاطع هذا المسار مع هدف استراتيجي أوسع، هو محاولة فصل الساحة اللبنانية عن السياق الإقليمي، وتحديداً عن إيران. فإسرائيل ترى أن قوة حزب الله لا تنبع فقط من قدراته الذاتية، بل أيضاً من ارتباطه بشبكة دعم إقليمية. لذا، فإن أي خطوة تضعف هذا الارتباط، أو تُعيد تعريفه، تُعتبر مكسباً بحدّ ذاته.
المكسب الأعمق من المفاوضات المباشرة تحويل التباينات السياسية داخل لبنان إلى عنصر ضغط على المقاومة
من هنا يمكن فهم الترحيب الإسرائيلي بأي خطاب لبناني يتحدّث عن «استعادة قرار التفاوض» أو «تحييد لبنان»، في إشارة إلى محاولة الحؤول دون استفادة المقاومة في لبنان من الموقف والدعم الإيرانيَّيْن. فهذه العناوين، رغم أنها تُقدَّم داخلياً كتعزيز للسيادة، تخدم عملياً الهدف الإسرائيلي الذي تسعى إليه منذ سنوات. بمعنى آخر، قد تلتقي أهداف مختلفة عند نقطة واحدة، لكن لأسباب ودوافع متباينة.
في المقابل، تحاول السلطة السياسية في لبنان تقديم هذا المسار على أنه إنجاز، عبر القول إنها استعادت قرار التفاوض من أطراف خارجية. لكنّ هذا الطرح يثير تساؤلات جدّية: هل كان هذا القرار مسلوباً أصلاً؟ وهل كانت هناك مفاوضات مطروحة سابقاً ليُقال إنه تمت استعادتها؟ الواقع يشير إلى أن ما جرى هو إعادة صياغة للسردية السياسية أكثر مما هو تغيير فعلي في موازين القوى.
كما أن تجاهل دور العوامل الإقليمية، وخاصة الدعم الإيراني، في حماية لبنان عبر مراحل التصعيد، لا يغيّر من طبيعة هذا الدور.
ورغم كل ما سبق، تبقى هناك حدود واضحة لهذا المسار التفاوضي. فالمسألة الأساسية، أي سلاح المقاومة ودورها، لا يمكن حسمها عبر طاولة المفاوضات. هذه قضية مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية معقّدة، ولا يمكن تجاوزها بقرارات سياسية أُحادية. لذا، فإن أي اتفاق لا يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، سيكون مُعرّضاً للفشل أو للتعطيل.
التجربة السابقة بعد اتفاق تشرين الثاني 2024 تقدّم مثالاً واضحاً. فرغم الاتفاق، إلا أن العدو لم يلتزم بوقف اعتداءاته، ما يعني أن الاتفاقات الشكلية لا تكفي لضمان الاستقرار إذا لم تتوفّر شروط حقيقية لتنفيذها. وهذا يعيد تأكيد أن القوة على الأرض، وليس فقط النصوص المكتوبة، ما يحدّد الذي يمكن تطبيقه، وما يبقى حبراً على ورق.
في الخلاصة، ما نشهده اليوم يشكّل مرحلة جديدة من الصراع تُستخدم فيها السياسة كامتداد للحرب، وتُوظّف فيها المفاوضات كأداة لتحقيق أهداف، لم تستطع القوة العسكرية تحقيقها. فالصورة التي لم ينجح جيش العدو في توفيرها لقيادته السياسية وفّرتها لها السلطة السياسية في لبنان. وفي هذا المشهد المعقّد، تبقى الحقيقة الأساسية أن التوازن بين القوى، داخلياً وخارجياً، هو الذي يحدّد الاتجاه العام، وليس مجرّد إعلان البدء في المفاوضات.
بتعبير أوضح، المفاوضات الحالية تعني أن الصراع أصبح أكثر تعقيداً، وأن كل طرف يحاول استخدام ما لديه من أدوات لتحقيق أفضل موقع ممكن. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبقى مستقبل هذا المسار مفتوحاً على عدة احتمالات، لكن حدوده تظل مرسومة بواقع القوة على الأرض، وبالقدرة على فرض أو منع أي تسوية.



