ثقافة

لا تحرقوا تاريخ حلب (محمد قجة)

 

محمد قجّة* – الحوارنيوز

1 – حلب المحروسة… علينا جميعاً أن نحرسها، حلب التي تمتد عميقاً في الزمان لأكثر من عشرة آلاف سنة. والتي مرت بها أكثر من ثلاثين حضارة، وعرفت الأعراق والأديان والمذاهب وصاغت من ذلك وجهها السمح الحضاري الذي يحترم الآخر ولا يعرف العنف والقمع.

2 – وإذا كانت أسواق حلب القديمة تمثل الرئة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة فإنها ليست بمجرد أسواق تضم مجموعة من الدكاكين، إنها مدينة في قلب المدينة، ولهذا أطلق أبناء حلب على هذه الأسواق تسمية “المدينة”.

سوق محوري مستقيم يمتد من أمام القلعة وصولاً الى باب أنطاكية، ويعود الى القرن الرابع قبل الميلاد. ويتفرع عنه 37 سوقاً يبلغ طولها الاجمالي قرابة 14كم، وهي بذلك أقدم أسواق العالم المسقوفة وأطولها.

وتمتاز اسواق حلب بما يلي:
ا – . العراقة والقدم والبناء الحجري والشكل الشطرنجي في توزيعها .

ب – التخصص الدقيق في التسمية حسب طبيعة العمل التجاري: سوق الصوف، القطن، الحبال، العطارين، الزرب، الصابون، المناديل، الصياغ، الحدَّادين، الجوخ ، الـعبي …إلخ .

ج- احتواء هذه الأسواق على خانات يبلغ عددها 22 خاناً، ويعود بعضها إلى أكثر من ألف سنة، وبعضها إلى مطلع القرن 13م (خان البنادقة) وأكثرها مملوكية وعثمانية.

د – تضم الأسواق قساطل وحمَّامات، أقدمها حمَّام النحَّاسين (900 سنة)
كما تضم المدارس والمساجد الكبيرة والصغيرة، وأهمها الجامع الأموي الكبير (98 هـ 718م). والمدرسة الأحمدية والشاذبختية والشيبانية.

3 – كان من الطبيعي أن تسجل اليونسكو حلب القديمة في نطاق التراث الإنساني الذي يجب أن نحافظ عليه. وفي مدينة حلب أكثر من 400 نقطة أثريةً، ومنها هذه الأسواق الفريدة التي تشكل تحفة نادرة لا مثيل لها في العالم . وإن الحرائق التي التهمت أجزاء من هذه الأسواق، إنما هي فعل تخريبي هادم للتاريخ والحضارة بغض النظر عن الخسائر الاقتصادية في السلع والبضائع التي يمكن أن تعوض، ولكن التاريخ لا يمكن تعويضه.
النار التي التهمت أجزاء من تاريخنا، أكلت معها قلوبنا وأذهاننا، فليس من المعقول أن نهدم بأيدينا ما بناه لنا أجدادنا، وما نفخر به على مدى التاريخ.

4 – حلب التي تطل على التاريخ منذ مولده، سوف تبقى حاضنة لهذا التاريخ. حلب التي احتفت بكونها عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006 وبرز وهجها الحضاري المتسامح في تلك السنة.
حلب التي احتضنت المتنبي شاعر العرب الأكبرفي بلاط سيف الدولة الحمداني ، والذي أقام في أسواقها عشرة أعوام قضاها ذاهباً آيباً في هذه الأسواق. حلب التي كانت مركز التجارة العالمية لأكثر من ألف عام بأسواقها وخاناتهاوسكانها .
حلب الحبيبة التي يجب علينا أن نحرسها كما تحرس الأجفان العيون.
*باحث ومؤرخ – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى