من “حرب الإستقلال الأميركية” إلى جنوب لبنان: الصمود هو الطريق الحتمي الى الإنتصار(إبراهيم عميس)

بقلم د. إبراهيم علي عميس* – الحولرنيوز

بينما كنت أطالع كتاباً عن “حرب الاستقلال الاميركية” ، وأغوص أكثر في تفاصيلها، كيف قضى الجيش القاري وهو يصارع البقاء قبل أن يصارع عدوه، بدأت أرى صورةٍ تجمع بين ما جرى آنذاك وما يجري اليوم في جنوب لبنان .
لم يكن التشابه في السلاح أو السياسة فقط، بل في الإنسان نفسه: في ذلك الإصرار العنيد على البقاء رغم الخراب، وفي ذلك الارتباط العميق بالأرض والقضية والكرامة. عندها، لم أجد بداً من أن أخط هذه السطور، لأقول إن الشعوب قد تُستنزف، وقد تُجرح، وقد تمر بسنواتٍ من القهر والمشقّة، لكن عندما تتحول القضية إلى عقيدة راسخة في وجدان الناس، يصبح الصمود بحد ذاته طريقاً حتمياً نحو الهدف الأخير… النصر.
هناك لحظات في التاريخ تتشابه فيها جغرافيتان متباعدتان إلى درجةٍ يبدو معها أن القرون تنهار بينهما.
معسكرٌ متجمّد في أمريكا القرن الثامن عشر.
وجنوبي، جنوب لبنان مثخن بالجراح.
رجالٌ يلفّون أقدامهم بالخرق اتقاءً لرياح الشتاء.
وعائلاتٌ تعيد بناء الجدران قبل أن يبرد الدخان تماماً.
إمبراطوريةٌ مقتنعة بأن التفوق وحده يكفي لصناعة النصر.
وشعبٌ أدرك أن البقاء نفسه قد يتحول أحياناً إلى أول أشكال الانتصار.
هذا المقال لا يدّعي أن التاريخين متطابقان. فلكل أرضٍ جراحها وتعقيداتها وعقائدها الخاصة. لكن التاريخ يترك وراءه أنماطاً بشرية تتكرر بصورةٍ مثيرة. وربما لا يوجد شبهٌ أكثر إيلاماً من ذلك التشابه بين صمود الجيش القاري خلال( حرب الاستقلال الأمريكية 1775 – 1783) American Revolutionary War وبين الصبر الطويل الذي يعيشه أهل الجنوب اللبناني في سعيهم إلى الحرية والكرامة ورفض الخضوع للخوف والاحتلال والتهجير المفروض عليهم.
والتشابه لا يبدأ بالسلاح.
بل يبدأ بالمشقّة.
فالجيش القاري الأمريكي لم يكن يُفترض أن يصمد أصلاً.
أمامه كان يقف جيش المملكة المتحدة العظمى، أعظم قوة عسكرية في عصرها. البريطانيون امتلكوا الجنود المحترفين، والأساطيل، والثروة، والنظام، والخبرة العسكرية الممتدة عبر العالم. أما الأمريكيون فلم يكن لديهم تقريباً شيء يُذكر.
جيشهم تكوّن من مزارعين، وعمال، وصيادين، وحدادين، وشبان لم يحمل كثيرٌ منهم السلاح العسكري قبل الحرب. لم تكن لديهم ملابس كافية. لم تكن لديهم أدوية. لم يكن لديهم طعام كافٍ. كان الجنود يسيرون وقد لفّوا أقدامهم بالخرق لأن أحذيتهم تحللت من البرد والمسافات الطويلة. الجوع نخر أجسادهم، والمرض نخر معسكراتهم.
وفوق كل ذلك، كان مرض الجدري يحوم فوقهم كالموت نفسه.
الجدري اجتاح المعسكرات بسرعة مرعبة. مات رجالٌ محمومون، مشوّهون، فاقدو البصر، يهذون قبل الموت. ومن نجا منهم حمل آثار المرض على وجهه وجسده مدى الحياة. حملاتٌ عسكرية بأكملها انهارت بسبب المرض قبل أن تبدأ المعارك أصلاً. وحتى الشتاء نفسه تحوّل إلى عدو.
وفي وادي Valley Forge، تجمّد الجنود داخل ملاجئ بدائية فيما كان الثلج يغطي آثار الدماء التي تركتها الأقدام الحافية فوق الأرض المتجمدة.
ومع ذلك… صمد الجيش.
لم يصمد لأن الحياة كانت سهلة.
ولم يصمد لأن النصر كان مضموناً.
بل لأن شيئاً أقوى من الراحة كان قد استقر داخلهم: الإيمان بأن الحرية والكرامة تستحقان هذا العذاب.
وفي قلب هذا كله وقف جورج واشنطن، الذي فهم واحدة من أعظم الحقائق الاستراتيجية في التاريخ الحديث:
لم يكن بحاجة إلى تدمير الجيش البريطاني كي ينتصر.
كان عليه فقط أن يمنع البريطانيين من تدمير جيشه.
هذه الفكرة وحدها غيّرت مجرى الحرب.
البريطانيون كانوا يحتاجون إلى نصرٍ حاسم.
أما الأمريكيون فكانوا يحتاجون إلى الصمود.
كل انسحابٍ حافظ على الجيش الأميركي وقتها كان يعد انتصاراً.
كل شتاءٍ تم تجاوزه كان انتصاراً.
كل وباءٍ تم تحمّله كان انتصاراً.
الأمريكيون فهموا تدريجياً أن البقاء نفسه يمكن أن يُنهك الإمبراطوريات.
وهنا يبدأ التشابه مع جنوب لبنان وكأنه لم يعد مجرد مقارنة تاريخية، بل حقيقة إنسانية متكررة.
وفي الجنوب أيضاً، هناك قرىً لم يهزمها الركام رغم أن الجدران سقطت فوق أهلها مراراً. قرىً تبدو للغريب وكأنها انتهت، بينما أهلها يرونها مجرد بيوتٍ تنتظر العودة. بين الحجارة المكسورة والغبار الثقيل، يولد يقينٌ عنيد بأن الأبواب ستُفتح من جديد، وأن النوافذ ستعود لتستقبل ضوء الصباح مهما طال الليل.
هناك، لا يُنظر إلى الأنقاض كنهاية، بل كمرحلةٍ مؤقتة بين هدمٍ وإعمار.
بيوتٌ ستنهض مرةً أخرى بجانب ركامٍ لم يُرفع بعد، وكأن الحياة ترفض أن تنتظر اكتمال الحزن كي تبدأ من جديد. أطفالٌ يكبرون على صوت الطائرات والانفجارات حتى يصبح الخوف جزءاً من ذاكرة الطفولة نفسها، ومع ذلك يركضون في الأزقة، يضحكون، ويحفظون أسماء القرى كما يحفظ الآخرون أسماء الألعاب. ولا يعرفون طفولةً بلا حرب لكنهم يعرفون أسماء الأجداد وأسماء الجبال وأسماء الينابيع، لأن الهوية هنا تُحفظ بالتواتر الشفهي قبل أن تُكتب في السجلات.
وحقولٌ احترقت ستعود خضراء، لأن الفلاح الذي دفن أبناءه في الأرض نفسها، ما زال يؤمن أن التراب الذي يحمل الموت قادر أيضاً أن يحمل الحياة. وأعراسٌ ستقام قرب بيوت العزاء، ليس لأن الحزن غاب، بل لأن الناس هناك تعلموا أن الحياة لا تنتظر انتهاء المأساة كي تستمر.
وفي الجنوب، يتعلم الإنسان منذ طفولته درساً قاسياً لا يُكتب في الكتب:
أن تعيش لا يعني أن الظروف أصبحت طبيعية، بل يعني أنك قررت ألا تسمح للخراب أن يسرق منك معنى الحياة.
جيلٌ بعد جيل، يتوارث الناس هناك شيئاً أخطر من السلاح نفسه:
الاعتياد على الصمود.
هذا ليس منطق المعاناة المؤقتة.
بل منطق الصمود الطويل.
والصمود يغيّر طبيعة الصراع بالكامل.
القوى الكبرى غالباً ما تحسب النصر بالنار، والتفوق العسكري، والسيطرة، والتكنولوجيا. أما الشعوب المرتبطة بأرضها بعمق، فهي تقيس النصر بطريقة مختلفة. بالنسبة لها، مجرد البقاء هو مق.او.مة مرتبط بنصر. استمرار الحياة اليومية هو تحدٍّ. والصمود يتحول إلى قوة أخلاقية.
وهذه كانت القوة الخفية للجيش القاري الأمريكي.
وهي القوة نفسها التي ظهرت في أراضٍ كثيرة مجروحة عبر التاريخ بما فيها جنوبي.
لأنه عندما يتقبّل شعبٌ ما المشقّة باعتبارها ثمناً للكرامة، تبدأ كل حسابات الهيمنة بالاهتزاز.
البريطانيون استطاعوا أن يربحوا معارك.
واحتلوا مدناً.
وقتلوا جنوداً.
لكنهم لم يستطيعوا أن يُجبروا الأمريكيين على التخلي نفسياً عن قناعتهم بأنهم يستحقون الحرية.
والتاريخ يكرر الدرس نفسه مراراً: الشعوب المرتبطة بالأرض والذاكرة والهوية والتضحيات، تستطيع أحياناً أن تتحمل ما يظنه الآخرون مستحيلاً. لأنها لا تقاتل فقط بالسلاح، بل بمعنى الوجود نفسه.
أن تبقى.
أن تحافظ على كرامتك.
أن ترفض المحو.
لهذا تبقى قصة الثورة الأمريكية أكبر من مجرد قصة أمريكية. فخلف الأعلام والأساطير الوطنية تختبئ حقيقة أكثر عالمية: الشعوب التي تستطيع أن تصبر طويلاً من أجل قناعاتها، قد تُنهك في النهاية حتى أقوى الإمبراطوريات.
ليس لأن المعاناة جميلة.
ولا لأن الحرب نبيلة.
بل لأن الصمود يملك قوة مرعبة تستهين بها القوى الكبرى دائماً.
الجيش القاري الأمريكي صمد أمام الجوع، والجدري، والبرد، وضعف التدريب، والهزائم، والانهيار المتكرر للإمدادات. صمد لأن الناس الذين وقفوا خلفه آمنوا بأن الحرية، والكرامة، وحق تقرير المصير ليست امتيازات تُمنح، بل حقوق تُنتزع بالصبر والتضحية.
وفي النهاية، تعبت الإمبراطورية الأقوى في العالم قبل أن يتعب الجيش المنهك.
وهذا هو الإيقاع الذي يكرره التاريخ دائماً.
أحياناً لا يولد النصر فجأة فوق ساحة معركة.
أحياناً يخرج ببطء من القرى المهدّمة، والمعسكرات الباردة، والوجوه المتعبة، والقبور الكثيرة، ومن أناسٍ قرروا ببساطة أنهم لن يختفوا.
وعندما يتجذر شعبٌ في أرضه إلى درجة يصبح فيها الصمود جزءاً من هويته،
فإن التاريخ يقول إن النصر ، مهما تأخر، ومهما كان ثمنه، يجد طريقه إليهم في النهاية.
* طبيب متخصص في جراحة الأعصاب



