
خضر ضيا – الحوارنيوز
ليست فلسطينُ غيمةً عابرةً في كتابِ الشَّرق،
بل جرحٌ مفتوحٌ يلمعُ كمرآةٍ فوق صدرِ الزَّمن،
كلُّ من اقتربَ منه رأى
كيف تُصاغُ الهزائمُ من خيوطِ الوهم،
وكيف يُزيَّنُ التراجعُ بأسماءٍ ناعمة:
“واقعيَّة”،
“تسوية”،
“سلام”.
كان الحلمُ يمشي على قدميْه ذاتَ يوم،
ثمَّ أُلبسَ ثوبَ الموظَّف،
وصار التحرُّرُ
دفترَ حضورٍ يوميٍّ لأزمةٍ لا تنتهي.
لم يسقطِ المعنى دفعةً واحدةً،
بل تآكلَ كجرفٍ تأكلُه المياهُ بصمت؛
تنازلٌ صغيرٌ،
ثم ظلٌّ أقلُّ للحدود،
ثم وطنٌ يُعادُ تعريفه
بحبرِ الآخرين.
وفي قلبِ العتمة
وقف الدَّرسُ كمنارةٍ مُرَّة:
حين تُوزَنُ السياسةُ بالأمنيات
تصيرُ رايةً تُغطِّي انكساراً،
لا جسراً يعبرُ نحو التغيير.
لهذا لم تعد فلسطينُ قضيَّةً فقط،
بل بوصلةً محفورةً بالنار،
تقولُ لكلِّ السائرين خلفَ السراب:
لا سيادةَ تُولدُ من بواباتٍ يحرسها العدوُّ،
ولا أرضَ يحفظها تفاوضٌ أعزل.
*****
وفي أوسلو،
فُتحتْ موائدُ الكلام الطَّويل،
وقيل للنَّاس:
“هذا هو الطَّريق الوحيد”.
لكنَّ الزمنَ كان يُسرقُ في الخفاء.
كانت الأرضُ تُؤكلُ لقمةً لقمة،
بينما الكلماتُ تدورُ في قفصِ الوعود.
كبرتِ المستوطناتُ
كما يكبرُ الصدأُ على الحديد المهمل،
وتحوَّل الاحتلالُ
من وجهٍ مكشوفٍ
إلى قناعٍ تُثبِّته الاتفاقات.
لم يكن سلاماً،
بل هندسةً دقيقةً للهزيمة.
*****
ثم جاءتِ السيادةُ المؤجَّلة،
كطائرٍ مكسورِ الجناحيْن،
يحملُ اسمَ الدَّولة
ولا يملكُ سماءه.
صار القرارُ مشروطاً،
والعبورُ داخلَ الأرض
يحتاجُ إذناً من الغريب.
وتحوَّل المشروعُ الكبير
من تحريرِ المصير
إلى إدارةِ اليوميِّ الهشِّ.
هكذا تُصنعُ الكانتونات:
أنصافُ حلولٍ
تبني جدراناً من هشاشة،
وتتركُ الأوطانَ معلَّقةً
على حافةِ الابتزاز.
*****
ولبنانُ،
الواقفُ بين البحرِ والريح،
يسمعُ اليومَ الصدى القديم نفسه:
“كونوا واقعيِّين”،
“اقبلوا الممكن”،
“ابتعدوا عن المواجهة”.
لكن أيُّ ممكنٍ هذا
الذي يذوبُ كلَّما مرَّ الوقت؟
وأيُّ واقعيَّةٍ
تسيرُ نحو خسارةِ عناصرِ القوَّة
واحدةً تلو الأخرى؟
فالكيانُ الذي يُعيدُ رسمَ المنطقة
لا يطلبُ تفوَّقاً عسكريًّا فقط،
بل يريدُ للروحِ أن تعتادَ الانحناء.
والتَّجربةُ الفلسطينيَّةُ
تكتبُ على جدارِ التاريخ بوضوح:
ما لا تحرسه إرادةُ الداخل
لا تحميه خرائطُ الخارج،
ولا توقيعاتُ العالم.
*****
ليست المشكلةُ في السلام
حين يكونُ اسماً للعدالة،
بل حين يُصبحُ سُلَّماً
يصعدُ عليه الأقوى
فوقَ أكتافِ المنهكين.
التاريخُ لا يُدارُ بالنوايا،
بل بما تملكه الشعوبُ
من قدرةٍ على حمايةِ معناها.
ومن بعيد،
يأتي الصوتُ الفلسطينيُّ المقاوم
كطبولٍ في ليلٍ طويل:
من لا يملكُ القوَّة،
يُفرضُ عليه شكلُ السلام
الذي يشبهُ قيوده.
*****
النهضةُ لا تبدأُ من الشعارات،
بل من استعادةِ البوصلة.
من فهمِ أنَّ السيادةَ
ليست كلمةً تُرفعُ على المنابر،
بل فعلٌ يُمارَسُ على الأرض.
وأنَّ الكرامةَ
ليست قصيدةً تُلقى،
بل طريقٌ شائكٌ
تدفعُ الشعوبُ ثمنهُ كي تبقى حيَّة.
أخطرُ ما قد يحدث
أن تتحوَّلَ الجراحُ القديمة
إلى حكاياتٍ تُروى،
لا إلى دروسٍ تمنعُ السقوط.
*****
الهزيمةُ لا تدخلُ الأوطانَ دفعةً واحدة،
بل تتسلَّلُ
كالماء من شقوقِ التنازلات الصغيرة،
وتجلسُ في البيوت
باسمِ العقلانيَّة.
أمَّا الصمود،
فليس شعاراً يُعلَّقُ على الجدران،
بل نارٌ تحفظُ المعنى
حين يبردُ العالم.
الأرضُ لا يحرسها الانتظار،
ولا تُدارُ بالمفاوضات وحدها،
والسيادةُ ليست هبةً من أحد؛
إنها تُنتزعُ
بإرادةٍ تعرفُ الطريق
ولو مشتْ فوقَ الجمر.
وفي لحظاتِ التحوُّل الكبرى
لا يسألُ التاريخُ:
من تألَّم فقط؟
بل يسأل:
من تعلَّم،
ومن كرَّرَ النَّدبةَ ذاتها
على جسدِ وطنٍ آخر.



