طاولة المفاوضات.. أم وثيقة الاستسلام؟ (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
في لحظات التحولات الكبرى في تاريخ الدول، تُقاس مواقف السلطات بمدى انحيازها إلى شعبها لا بمدى انسجامها مع ضغوط الخارج. ولبنان اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع، حيث يبدو أنّ جزءاً من السلطة السياسية يتجه نحو مسار تفاوضي مع اسرائيل لا بوصفه محاولة لانتزاع حقوق وطنية، بل كأنه عملية تكيّف مسبق مع شروط يفرضها ميزان القوى الدولي والاقليمي.
فبينما يصرّ الفريق الرسمي اللبناني على تقديم نفسه شريكاً في مسار تفاوضي يُراد له أن ينتهي بتقديم تنازلات كبرى، يشعر جزء واسع من اللبنانيين بأن السلطة السياسية تتصرّف وكأنها شريك غير معلن لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لا شريكاً لشعبها الذي دفع أثماناً باهظة في مواجهة العدوان الاسرائيلي عبر عقود طويلة.
المفارقة أنّ من يتولّون اليوم أعلى موقعين في الدولة، رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، أقسموا اليمين الدستورية على صون سيادة لبنان وحماية حدوده. غير أنّ المسار السياسي الذي يسلكانه يوحي بعكس ذلك تماماً. فبدلاً من تعزيز عناصر القوة الوطنية، وفي مقدّمها المقاومة التي شكّلت خلال سنوات طويلة عامل الردع الاساسي في مواجهة اسرائيل، تبدو السلطة وكأنها تسير بخطوات متسارعة نحو تبنّي الشروط التي يطرحها الطرف الآخر.
المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض بحدّ ذاته. فالتاريخ مليء بمفاوضات جرت بعد الحروب أو خلالها. لكنّ التفاوض الذي يُطرح اليوم، وفق ما تكشفه التسريبات والوساطات الدولية، لا يبدو تفاوضاً بين طرفين متكافئين، بل مساراً سياسياً يُراد منه فرض وقائع مسبقة على لبنان، تبدأ بالاعتراف باسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة، ولا تنتهي بإعادة رسم معادلة الأمن والسيادة في الجنوب.
في هذا السياق، تشير المعطيات المتداولة إلى دور فرنسي ناشط في بلورة مجموعة شروط أو أفكار يتم دفعها في اتجاه بيروت. ورغم أنّ باريس تحاول تقديم نفسها كوسيط، فإنّ طبيعة الطروحات المسربة توحي بأنّ المطلوب عملياً ليس إدارة تفاوض متوازن، بل دفع لبنان إلى التكيّف مع معادلة جديدة تُنهي عناصر قوته وتحوّل الدولة إلى طرف يضبط الداخل بدلاً من أن يحميه.
اللافت أنّ الفريق الرسمي اللبناني لا يظهر اعتراضاً جدياً على هذه المقاربات. بل إنّ سلوكه السياسي يوحي أحياناً بأنّ ما يجري ليس مفاجئاً بالنسبة إليه، وكأنّ جزءاً من هذه المسارات كان معروفاً أو متوقعاً قبل وصوله إلى السلطة. وهذا ما يعزّز الانطباع لدى كثيرين بأنّ الحكومة الحالية جاءت في إطار تسوية دولية – إقليمية أوسع، وأنّ دورها يقتصر على تنفيذ مراحل منها.
لكنّ الأخطر في كل ذلك أنّ السلطة تبدو وكأنها لا تقرأ جيداً تاريخ لبنان. فكل تجربة حاولت فيها قوى سياسية فرض خيارات استراتيجية كبرى من دون توافق وطني واسع انتهت إلى انقسامات حادة وربما إلى صدامات داخلية. لبنان بلد شديد الحساسية لتوازناته الطائفية والسياسية، وأي محاولة لفرض مسار مصيري بالقوة أو تحت ضغط الخارج قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
الأمر لا يتعلق فقط بالمقاومة كتنظيم عسكري أو سياسي، بل بشريحة واسعة من اللبنانيين ترى في هذه المقاومة جزءاً من منظومة الدفاع الوطني. وبالتالي فإنّ أي مسار يُنظر إليه كاستهداف لها سيُفسَّر تلقائياً على أنه طعن في ظهر من واجهوا الاحتلال والاعتداءات، ودفعوا أثماناً كبيرة من دمائهم وبيوتهم وتهجيرهم وصمودهم، من الجنوب إلى الضاحية والبقاع.
ولذلك، قد تلجأ هذه السلطة إلى تسمية أشخاص بلا وزن سياسي ولا حضور وطني، أشبه بوجوه لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، لإرسالهم إلى طاولة المفاوضات. ليس لأنهم يملكون صلاحية القرار، بل لأنّ دورهم قد يقتصر على التوقيع على وثيقة استسلام سيذكرها التاريخ اللبناني بسواد، وسيلعن من وقف خلفها مهما اختلفت مواقعهم وأسماؤهم.
فالمسألة في لبنان ليست مسألة انتماء طائفي: لا الاسم الشيعي ولا الدرزي ولا السني ولا حتى المسيحي هو ما يحدد موقع صاحبه من التاريخ. المسألة الحقيقية تكمن في حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي قد يدفع بعضهم إلى وضع توقيعه على وثيقة تُسجَّل كوصمة على أسمائهم وأعناقهم، قبل أن تُسجَّل في ذاكرة الوطن.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فبدلاً من أن تعزّز الدولة عناصر قوتها التفاوضية، تبدو وكأنها تضع أوراقها الأساسية على الطاولة قبل أن تبدأ المفاوضات فعلياً. وهذا ليس تفاوضاً بالمعنى السياسي، بل أشبه بعملية تسليم تدريجي لأوراق القوة.
لبنان اليوم أمام لحظة دقيقة. فإما أن تكون الدولة مع شعبها في الدفاع عن سيادته وحقوقه، وإما أن تتحول إلى طرف في صراع داخلي جديد. وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين: هل السلطة تمثل فعلاً اللبنانيين، أم أنها تمثل مشروعاً آخر يُراد فرضه على لبنان؟



