قبل إنتاج اتفاق 17 أيار جديد ! (أحمد حوماني)

كتب د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
تمر السلطة الحاكمة في لبنان بأحد أكثر المراحل حساسية منذ الاجتياح الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢، ويحاول البعض التسويق أن هذه المرحلة هي أصعب مما حصل في الاجتياح المذكور، ويعتمد في ذلك على أن هذا الجيل الحالي والسابق لا يتذكران ما حصل يومها، ولا يعرفان الأوضاع السياسية والعسكرية التي أفضت إلى اتفاق الذل في ١٧ أيار ١٩٨٣.
والتذكير ينفع الجميع، وللتاريخ فإن الجيش الصهيوني يومها وصل بدباباته إلى العاصمة بيروت التي أصبحت بشرقها وغربها – حسب تعبير تلك الأيام – تحت سلطته، ووصل إلى البقاع الغربي وجواره، ولم تكن هناك مقاومة تُذكر لزحف دباباته، سوى ما حصل على تخوم خلدة، وكلية العلوم، وأبواب الضاحية الجنوبية، وفي ذلك الاجتياح كانت طائرات العدو الصهيوني تسرح وتمرح في أجواء لبنان، وسفنه الحربية ترسو على شواطئه الساحرة، وقادة جيشه يتجولون في بيروت بحرية مطلقة، أضف إلى ذلك نزول القوات المتعددة الجنسيات (الأمريكية والفرنسية والإيطالية) على شواطئ بيروت، واتخاذهم مقرات عسكرية في العاصمة بيروت، وفي مطارها وبالقرب منه، وتسييرهم دوريات عسكرية تجوب كامل أنحاء العاصمة، والأكيد أن دبابات العدو الصهيوني وطأت قصر بعبدا، وسكنت فيه.
أما في السياسة فكان هناك تواطؤ دولي مساند سياسيًا وإعلاميًا للكيان الصهيوني، وتآمر علني داخلي للكتائب والقوات اللبنانية ، ولا ننسى اتفاق المبعوث الأمريكي فيليب حبيب مع الفلسطينيين على خروج مقاتليهم من لبنان، مقابل منحهم الأمان للمخيمات الفلسطينية التي خلت من رجالها، لكن كعادة الأمريكي والصهيوني في نكث العهود، طوّقت القوات الصهيونية المخيمات، فيما قامت ميليشيات الكتائب والقوات بارتكاب مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا وجوارهما بحق آلاف الفلسطينيين واللبنانيين، وكانت دوريات جيش أمين الجميل تصول وتجول في الضاحية الجنوبية لبيروت، تُرافقها سيارات الكتائب والقوات التي افتتحت مكاتب لها في حارة حريك. وفي ظل هذه الأجواء تم توقيع اتفاق الذل أو ما سُمّي باتفاق ١٧ أيار.
الاتفاق الذي صوّت عليه مجلس النواب بأغلبية كبيرة (72 صوتًا)، لا بد أن نذكر معارضة النائب زاهر الخطيب المسلم السني، والنائب نجاح واكيم المسيحي الأرثوذكسي له، وامتنع عن التصويت النائب حسين الحسيني الشيعي، والنائب رشيد الصلح السني، والنائب ألبير منصور المسيحي الكاثوليكي. هذه الأسماء يجب ذكرها، وذكر تنوعها الطائفي والمذهبي لأن له دلالاته السياسية. في خضم هذه الظروف السياسية والعسكرية وُقّع اتفاق ١٧ أيار في العام ١٩٨٣، لكن لم يلبث أن أُسقط بعد أقل من عام، وذلك في شهر آذار من العام ١٩٨٤.
هذه المقدمة كان لا بد منها للبناء على المحطات التي تلت توقيع الاتفاق، وأدت إلى إسقاطه. فيومها كانت إحدى حجج المستسلمين لمسار الذل المفروض، أنه كان ردًا على استباحة المنظمات الفلسطينية للبنان، مع العلم أن من قال هذا هو من سمح لهم القيام بذلك، وبالقانون، واليوم هناك من يحاول أن يوهم الشعب أن المشكلة هي مع حزب الله، وأن هذا المسار هو لإيقاف هذه الحرب المدمرة، وهذه مغالطة كبيرة أيضًا، إذ إن مقاومة حزب الله جاءت ردًا على اعتداءات العدو الصهيوني، والتي بدأت مع نشوء هذا الكيان عام ١٩٤٨ واستمرت إلى يومنا هذا.
لعل أشهر تلك المحطات التي ساهمت في إسقاط اتفاق الذل هو اعتصام مسجد بئر العبد الذي كان يؤم الصلاة فيه العلامة السيد محمد حسين فضل الله، والذي كانت له مواقف معارضة للاتفاق منذ اللحظة الأولى لتوقيعه، ورفع الصوت عاليًا ضده، مع ما كان ينطوي ذلك من مخاطر أمنية عليه، وحضره حشد كبير من علماء الدين السنة والشيعة، والذي انتهى باقتحام الجيش اللبناني لساحة المسجد وإطلاق الرصاص، ما أدى إلى سقوط الشهيد محمد نجدي وعشرات الجرحى من المصلين المعتصمين، لربما كانت هذه هي الشرارة الأعنف ضد هذا الاتفاق.
لكن الذي يلفت الانتباه أن الاعتصامات عمّت مناطق كثيرة من لبنان، سواء في بيروت أو صيدا أو صور أو طرابلس أو البقاع، ودانت الأحزاب الوطنية كافة ذلك الاتفاق، ودعت إلى إسقاطه، منها الحزب الشيوعي، وحزب البعث، والحزب القومي السوري، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة المرابطون، وتيار المردة، وحركة الشعب، والجماعة الإسلامية، والتنظيم الشعبي الناصري، والعديد من المطارنة ورجال الدين المسيحيين، والشخصيات المستقلة من المسيحيين والمسلمين، والرفض الشديد من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل، والمجلس الشرعى الإسلامي الأعلى، ومفتي الجمهورية، والمفتي الجعفري الممتاز، وعقدت ندوات عديدة في الجامعات والمعاهد الفنية والعلمية، أجمعت على رفض هذا الاتفاق. وكما كان الحشد المؤيد للعدو الصهيوني واسعًا، فإن حركة الرفض لاتفاق الذل أيضًا كانت واسعة شعبيًا ونقابيًا وحزبيًا وعلمائيًا.
اليوم في ظل هذه الهجمة الصهيونية الأمريكية على لبنان، والتواطؤ الداخلي معهم، يسعى البعض إلى إعادة تعويم اتفاق ١٧ أيار وإن بمسمى آخر، ولا يقع اللوم على العدو الصهيوني الأمريكي، لأن هذا هو مشروعه الذي سعى له دائمًا، ولا على المتخاذلين والمتواطئين في الداخل، وهم كانوا جزءًا من اتفاق الذل السابق، وما زالوا يحملون نفس روحية العمالة والارتهان، وانضم إليهم البعض لأوهام وسراب يلهثون وراءه، إنما اللوم والتعب يقع على كثير من الفئات التي لم ترفع صوتها ضد هذا المسار من اليوم الأول لبدئه، من الأحزاب، والتنظيمات، والعلماء، والنواب السابقين والحاليين، والوزراء، والهيئات الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، وحتى زعماء الطوائف والمذاهب مجتمعين أو منفردين. وبالمناسبة نفتقد أيضًا منظمات المجتمع المدني (NGOs) الذين أتحفونا لسنوات عديدة بشعارات السيادة والاستقلال والحرية.
صحيح أننا في مناخ حرب، لكن الدعوة إلى اعتصامات في المساجد بعد صلاة الجمعة مطلوبة من كل مساجد لبنان، خصوصًا في مدنه الكبرى كالعاصمة بيروت، وصيدا، وطرابلس، وصور، وبعلبك، وفي صلوات وعظات يوم الأحد في الكنائس المسيحية، كما مطلوب من الأحزاب كافة القيام بنشاطات تدعو إلى رفض هذا المسار، وكذلك النواب، والكتل النيابية مطلوب منها أن تُعبّر عن رأيها.
لماذا في الاستشارات النيابية مثلًا تتقاتل الكتل للصعود إلى بعبدا لإبداء رأيها، واليوم يسود الوجوم على وجوههم، باسم الشعب عليهم أن يطلبوا مواعيد من الرئيس جوزيف عون، ويعترضوا على هذا المسار، ويُعبّروا عن ذلك من القصر الجمهوري، كما على الوزراء السابقين فعل نفس الأمر، والتكتل على أساس وطني أو مناطقي، والتعبير عن رفضهم لهذا الاتفاق من على منبر قصر بعبدا، وكذلك على النقابات بمختلف اتجاهاتها الاجتماع وإعلان رفضها لهذا الاتفاق، وعلى أساتذة الجامعات فعل نفس الأمر.
واجب على كل الفئات التعبير عن رفضهم لهذا المسار، لأنه سيؤدي إلى اتفاق ذل وهوان لكل اللبنانيين بمختلف طوائفهم وأحزابهم وانتماءاتهم، ويمس بسيادة وطنهم واستقلاله، ويجب أن يكون هذا هاجس كل وطني شريف. ونحن على يقين أن أكثر الشعب اللبناني يرفض هذا المسار، وندعو رئيس الجمهورية إلى إجراء استفتاء عام حوله، وإذا كان فعلًا يرى أن فيه مصلحة للشعب اللبناني فليحتكم إليه، ونختم: عندما سكت أصحاب الحق عن حقهم ظن أصحاب الباطل أنهم على حق.



