هناك هدنٌ لا تُطفئ الحرب.. بل تُعيد رسم حدودها ببطء(زينب اسماعيل)

كتبت زينب اسماعيل – الحوارنيوز
ومنذ اللحظة الأولى للاتفاق على الهدنة في الجنوب اللبناني، بدا واضحًا أن ما يجري لم يكن وقفًا حقيقيًا للنار، بقدر ما كان إعادة تنظيم للميدان تحت عنوان “التهدئة”.
فالقرى الواقعة جنوب الليطاني لم تشعر يومًا بأنها دخلت هدنة فعلية، وكذلك العديد من القرى شماله، التي بقيت تحت التهديد اليومي بالغارات والتوغلات وسياسة الأرض المحروقة. وكأن الهدنة كانت، عمليًا، حمايةً لبيروت مقابل الداخل الإسرائيلي، فيما تُرك الجنوب مفتوحًا على الاستنزاف.
ومع كل تمديد جديد للهدنة، كانت الخريطة الإسرائيلية تتوسع أكثر؛ لا نحو الحدود فقط، بل باتجاه عمق الجنوب اللبناني، حتى أصبح الحديث عن شمال الليطاني نفسه أمرًا يُفرض تدريجيًا في الوقائع الميدانية.
والمقلق ليس فقط التقدّم الإسرائيلي، بل الطريقة التي يُدار بها هذا الملف سياسيًا.
فكل تمديد للهدنة يبدو وكأنه يمنح العدو وقتًا إضافيًا لفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن تثبيت خطوط واضحة لا يُسمح بتجاوزها. وكأن الهدنة تحوّلت، تدريجيًا، من وسيلة لحماية الجنوب إلى غطاء يمنح شرعية للتقدّم الإسرائيلي، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من التهجير، لا تطال القرى الحدودية فقط، بل تمتد إلى قرى أبعد من الشريط الحدودي التقليدي.
الأخطر أن بعض البنود التي يُتداول بها في الكواليس، تحت عنوان “الترتيبات الأمنية”، تفتح الباب أمام احتمالات شديدة الخطورة على الداخل اللبناني نفسه.
فالحديث عن توسيع انتشار الجيش اللبناني بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي عبر ما يُسمّى “الميكانيزم”، لا يبدو تفصيلًا تقنيًا بسيطًا كما يحاول البعض تصويره، بل مسارًا قد يضع المؤسسة العسكرية أمام انقسام داخلي بالغ الخطورة.
لأن الجيش اللبناني، الذي بقي لعقود أحد آخر المؤسسات الجامعة للبنانيين، قد يجد نفسه في مواجهة تناقضات سياسية وشعبية ووطنية هائلة، إذا تحوّل، ولو بصورة غير مباشرة، إلى جزء من منظومة تنسيق أمني مرتبطة بالعدو الإسرائيلي.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس فقط في الجنوب، بل في الداخل اللبناني كله.
فالعدو الإسرائيلي يدرك جيدًا أن أي حرب داخلية في لبنان ستكون أثمن له من أي تقدّم عسكري محدود على الحدود. وإضعاف النسيج الداخلي اللبناني، أو دفع الجيش إلى مواجهة مع بيئته أو مع جزء من شعبه، هو هدف استراتيجي سعت إليه إسرائيل منذ عقود.



