رأي

لمصلحة من هدنة ال45 يوما؟ (علوية هاشم فياض)

 

كتبت علوية هاشم فياض – الحوارنيوز

ليست الهدنة في جوهرها انتصاراً للشعب اللبناني، ولا هي مشروع خلاصٍ يخفف عن الناس أوجاعهم ومعاناتهم، بل تبدو في كثير من الأحيان محطةً سياسية تُدار بعقلية المرتجفين الذين يخشون تبدّل الموازين أكثر مما يخشون انهيار الوطن نفسه.
فاللّبناني الذي دفع من دمه وبيته ورزقه ثمن الصّمود، لا يرى في هذه الهدنة ما يسمنه أو يغنيه، لأنّها لم تأتِ نتيجة رؤية وطنية تحفظ الكرامة والسّيادة، بل نتيجة ضغوطٍ وتسوياتٍ تُراد لطمأنة العدو ومنحه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه واستعادة أنفاسه.
لقد أثبتت المواجهة أنّ المقاومة قادرة على فرض معادلات جديدة، وأنّ العدو الذي طالما تباهى بتفوّقه لم يعد مطمئناً كما كان. المسيّرات الدّقيقة استنزفته، وضرب العمق لم يكن محسوبا، وحالة الاستنزاف النفسي والعسكري، كلّها صنعت واقعاً جديداً أربك حساباته، وجعلت الحديث عن التّفاوض والهدنة وليس من اجل ايجاد حلول مشتركة بل ليجد الطريق الاسهل للانقضاض عليك.
لكنّ المشكلة ليست في مبدأ الهدنة بحد ذاته، بل في من يقودها ويقدّمها للنّاس على أنّها إنجاز، فيما هي في حقيقتها تجميدٌ للصراع بشروط لا تحمي لبنان ولا تردع العدوان. فالهدنة التي لا تعيد حقاً، ولا ترفع حصاراً، ولا تصون كرامة الناّس، تتحوّل إلى مجرّد استراحة يستفيد منها العدو أكثر مما يستفيد منها الشّعب.
إنّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط العدوان الخارجي، بل أيضاً عقلية الخوف والتراجع التي تحكم بعض السّياسيين والمُرجفين الذين يسارعون إلى تقديم التّنازلات عند أول ضغط، وكأنّ المطلوب من هذا الشّعب أن يعتاد الذلّ ويقبل بأنصاف الحلول.
نحن لا نرفض السّلام الحقيقي، ولا نهوى الحرب من أجل الحرب، لكنّنا نرفض أن تُفرض على النّاس هدنة تُسوّق كأنّها خلاص، فيما هي لا تحمل للبنانيين سوى مزيد من الانتظار والقلق والخذلان. فالكرامة الوطنية لا تُصان بالاستسلام المقنّع، والسيادة لا تُحمى بخطابات التّهويل والخوف، بل بثبات الموقف وإرادة شعب يعرف أنّ من يفرّط مرة، سيدفع الثمن مرات.
يتساءلون عن الهدنة وما جدواها وكأنّ أحداً منّا لا يدرك حجم الاستهتار الذي يُمارَس بحقّ جنوبٍ شريفٍ في وطنٍ يدفع ثمن كرامته وعزّة نفسه.
كلّنا ندرك أنّ المُسيّرة الانقضاضية أربكت العدو، وأقلقت ليله، وفرضت معادلة لم تكن في حسبانه بين ليلةٍ وضحاها. ولذلك، جاء موعد التفاوض أيضاً بين ليلةٍ وضحاها.
لم تُحلّ أزمة، ولم يُؤخذ وجع الناس بعين الاعتبار، بل بدا أنّ ما جرى لم يخدم إلا مصالح العدو، وهذه الهدنة ليست سوى محاولة لكفّ يد المقاومة عنه، ليجد متنفساً يعالج فيه أزماته ويوقف نزيف معدّاته وجنوده.
وما هذه الهدنة، في نظر كثيرين، إلا هدنة غدر. أمّا نحن، أصحاب النيّات الحسنة والظنون الطيبة، فلا ينبغي أن نؤتمن لغادر، ولا أن نقع في الجحر نفسه مرّتين، فذلك لا يفعله إلا مغبون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى